فيليب ستافورد وروجر بليتز
في الوقت الذي ينقشع فيه الغبار الناجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تتصاعد المعركة المتعلقة بمجموعة من الأعمال التجارية المرموقة في الحي المالي في لندن.
ويعد الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، هو الصوت الأعلى الذي يدعو إلى أن يتم إجراء المقاصة المقومة باليورو خارج لندن.
وسيكون مستقبل الحي المالي بوصفه مركزا تجاريا مهيمنا في أسواق منطقة اليورو سيكون محور النقاش، والنتيجة، لما يرجح أن يكون سنوات من المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. والسؤال الأساسي هنا هو ما إذا كان الحي المالي يستطيع الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى السوق الموحدة والإبقاء على هيمنته على الأسواق المقومة باليورو.
إن التهديد الذي يفرضه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من المحتمل أن يؤثر في التمويل المقوم باليورو في المملكة المتحدة من خلال طرق عدة، لكن مصدر القلق الرئيسي يحيط بعملية مقاصة المشتقات. والأدوات مثل عقود التأمين المتبادل تساعد على حماية المصارف والشركات ضد تحركات العملات وأسعار الفائدة.
بالنسبة لمدينة لندن، تعد مقاصة عقود التأمين المتبادل حجر زاوية في الحي المالي. ويمثل تداول المقايضات المقومة باليورو ثلث سوق مشتقات أسعار الفائدة العالمية، وفقا لبنك التسويات الدولية. وتحصل المملكة المتحدة على نصيب الأسد من أعمال اليورو. يقول ديرك شوينميكر، من مؤسسة بروجل الفكرية في بروكسل: «إن الأثر المحتمل على الحي المالي في لندن هو أن يتم انتقال نحو 69 في المائة من سوق مشتقات أسعار الفائدة إلى أوروبا القارية بعد الخروج من الاتحاد». ويقدر أن هذا يمكن أن يكون عملا تجاريا بقيمة اسمية تصل إلى 1.4 تريليون دولار.
وهذا التحرك من شأنه أن يعيد تفعيل السياسة التي حاول البنك المركزي الأوروبي تجربتها عام 2001 وأحبطت من قبل دعوى قدمت أمام إحدى محاكم المملكة المتحدة. ويتخذ البنك المركزي الأوروبي موقفا علنيا حذرا في هذا الشأن.
يقول بيتر بيفان، الشريك في «لينكلاترز»: «في حال عدم التوصل إلى حل على المستوى السياسي، فإن كيانات المملكة المتحدة التي تقدم خدمات عبر الحدود من لندن (…) لن يعود لديها جواز سفر».
المسؤولون المطلعون على المناقشات في بروكسل يقولون في محافلهم الخاصة إن الهدف الحقيقي هو SwapClear لدى مركز المقاصة الأوروبية في لندن، وهو بيت المقاصة في لندن الذي هو أصلا جزء من اتحاد يضم المصارف الاستثمارية في مطلع الألفية. وهو خاضع الآن لسيطرة مجموعة بورصة لندن، ويعد أكبر مقاصة للمشتقات خارج البورصات الرسمية في العالم.
حتى مع ذلك، أطراف أعمال المقاصة الوثيقة الصلة ببعضها بعضا، مدركة لمدى ضعف موقفها. يقول أحد المسؤولين التنفيذيين في أحد بيوت المقاصة: «لا أحد في القارة يشعر بالسعادة بصفة خاصة لكون لندن هي المركز المالي لأوروبا».
أحد الجوانب الإيجابية المحتملة للحي المالي هو أنه ازدهر تاريخيا بفضل التنظيم غير السليم، الذي يجري تطبيقه من قبل البلدان الأخرى. ففي الستينيات أقرت الولايات المتحدة ضوابط رأسمالية تقضي بفرض ضريبة على الاستثمار في الأوراق المالية الأجنبية، ما أدى إلى إنشاء سوق اليورو- دولار في لندن. وعانت السويد عندما فرضت ضريبة على المعاملات المالية في الثمانينيات.
ويقول مصرف أمريكي مقره في لندن إن تهديد هولاند يتجاهل الحقيقة التي مفادها أن الإصرار على ولاية قضائية محددة لمقاصة العملة هو أمر «يؤذي المنافسة».
ويلاحظ آخرون أن مكانة اليورو كعملة احتياطية تبدو أمرا فيه إشكالية. يقول سايمون بولستون جونز، رئيس رابطة تجارة المشتقات «إف آي إيه يوروب»: «اليورو عملة قابلة للتداول بحرية، وهي قادرة على أن يتم تخليص معاملاتها في الولايات المتحدة وسنغافورة وفي أماكن أخرى. إنها ليست حكرا على لندن فقط. وهي ليست أداة تتعلق بـSwapClear فقط».
ويقول بيتر هان، أستاذ الأعمال المصرفية في معهد لندن للخدمات المصرفية والتمويل، إن أية سياسة تهدف إلى إخراج عمليات المقاصة المقومة باليورو من لندن ستكون سياسة لا تأخذ في الحسبان «المكان الذي يوجد فيه المستثمرون والمكان الذي يرغبون في أن يكونوا موجودين فيه».
ويضيف: «كثير من المستثمرين يرغبون في إدارة مشاريعهم في المكان الذي توجد فيه الأسواق. ولديك مستثمرون يتطلعون لممارسة الأعمال في ظل القانون الإنجليزي».
بيوت المقاصة التي توجد في الحي المالي تبدي قلقها من ظهور حقبة من التفكك المتزايد في الوقت الذي تسيطر فيه السياسة على الصناعة.
بالنسبة للمستخدمين، المقاصة مكلفة لكن المصارلف والوسطاء يستعيدون بعض النفقات من خلال فرض هامش لدعم تداولات المشتقات في بيت المقاصة نفسه. وهذا الحافز لإبقاء تجارة المشتقات داخل بيت مقاصة واحد يعتبر اقتصاديا من حيث التكلفة، وهي ميزة بالنسبة للمستخدمين من شأنها أن تتلاشى فيما لو انفصلت مراكز المقاصة وانقسمت بين اختصاص السلطة القضائية في المملكة المتحدة واختصاص الاتحاد الأوروبي.
ويقول مسؤول تنفيذي سابق في مجال المقاصة: «قد يكون مضرا للغاية وقد يعمل على بلقنة السوق. واحدة من أكبر الفوائد في أن تكون جميع عقود التأمين المتبادل في مركز مقاصة واحد هو دمج قيمة عدد من التعاملات من أجل التوصل إلى قيمة واحدة. إذا أقصيت اليورو من بيت المقاصة ستزيد من تكلفة المقاصة وستجزئ المخاطر».
ما يؤكد ذلك هو أن تنفيذيي المقاصة في المصارف الأوروبية التي يمكن أن تستفيد من التحرك يقولون إنه لا توجد لديهم رغبة تذكر في نقل محافظهم إلى بلدان داخل الاتحاد الأوروبي. وبالنظر إلى التعقيدات التي من هذا القبيل، يرى آخرون ذلك على أنه جهد فرنسي لديه هدف مباشر – تعطيل الاندماج المقرر بين بورصة لندن والبورصة الألمانية، وهو أمر يعارضه المسؤولون في باريس. لكن أوروبا تحاول منذ فترة طويلة اجتذاب الأعمال بعيدا عن لندن، دون نجاح. والآن تجد أن أمامها فرصة لذلك. يقول شوينميكر: «موضوع الجوازات مهم جدا. بدونه تستطيع أن ترى التحول».

