لورانس سمرز
تحتل قضايا غياب المساواة، والنزاهة، ومستويات معيشة الطبقة المتوسطة، وتوفير فرص العمل، محور الحملة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة. فطوال سنوات، اتجهت مداخيل فئات المجتمع كافةً إلى التحرك بالتوازي. وبصفتي خريجاً جامعياً في نهاية حقبة السبعينيات، تعلمت «حقيقة متجددة» هي أن شرائح إجمالي الدخل الأميركي تتوزع بصورة ثابتة بين الأرباح والأجور، الفقراء والأغنياء. غير أن ذلك كله قد تغير. وبات من الملائم تماماً أن يصبح اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وما تبع ذلك من توقف مستويات معيشة الطبقة المتوسطة عن النمو، قضية سياسية ملحّة.
لكن لسوء الحظ يهمل كثير من المتحمسين للتركيز على قضية النزاهة، أهم العوامل المحددة لكل جوانب الأداء الاقتصادي، وهو معدل نمو الدخل الإجمالي، والذي يتمثل في إجمالي الناتج المحلي. ولأن تلك الاستراتيجيات المؤكدة التي تشمل خفض ضرائب الشركات وتقليص الرقابة والإجراءات، وتحابي الأثرياء، قد صبت جل التركيز على النمو خلال الأعوام الـ35 الماضية، فإن هدف زيادة معدلات النمو فقد بريقه في أذهان كثير من التقدميين.
بيد أن زيادة معدلات النمو تعني توفير مزيد من فرص العمل، ومع تراجع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات إلى 2.5٪، فإن الموظفين الجدد هم الطبقة الأقل تعليماً والأكثر حاجة. وليس من قبيل المصادفة أن العقود التي شهدت أعلى معدلات النمو، خلال الفترة من ستينيات إلى تسعينيات القرن الماضي، شهدت أيضاً أسرع معدلات نمو للتوظيف وأعلى زيادة سريعة في مستويات معيشة الطبقة المتوسطة.
ويوفر النمو المال الكافي لزيادة الإيرادات الفيدرالية ويشجع على حماية برامج التأمين الاجتماعي المحورية، خصوصاً «الضمان الاجتماعي» و«الرعاية الطبية». ولارتفاع معدلات النمو فوائد أخرى أيضاً؛ فهو يعزز قوة النموذج الأميركي في العالم، ويزيل الحاجة إلى سياسات نقدية بائسة تجازف بالاستقرار المالي على المدى الطويل.
لكن إذا استمر النمو الأميركي عند سقف اثنين في المئة، فأشك أنه سيحقق أياً من الأهداف الوطنية الكبرى. أما إذا ارتفع إلى مستوى ثلاثة في المئة، فإن أسعار الفائدة ستعود إلى المستويات الطبيعية، وسترتفع أجور الطبقة المتوسطة بمعدل أسرع من مستويات التضخم، وستبدأ أعباء الدين في التراجع، مما سيعزز النموذج الأميركي ككل.
ويبقى السؤال الآن هو: كيف يمكن تسريع وتيرة النمو؟
في اقتصاد مثل الاقتصاد الأميركي، يوفر القطاع الخاص الغالبية العظمى من الوظائف ونمو الدخل. وإذا كان الرئيس القادم للولايات المتحدة محظوظاً بالإشراف على توفير زهاء عشرة ملايين وظيفة خلال الفترة بين 2017 و2020، فإن أكثر من ثمانية ملايين من هذه الوظائف ستكون نتيجة تحقيق الشركات فرص أرباح أعلى.
والمطلوب بدرجة كبيرة الآن هو تعزيز الطلب على منتجات تلك الشركات، وهذا هو الجوهر الذي ينبغي للسياسات الحكومية استحضاره من أجل زيادة الاستثمارات والنهوض بالقوة الشرائية للعمال والموظفين وتعزيز التنافسية.
وليس معنى تأكيد النزاهة في السياسات أن نفقد التركيز على الهدف الجوهري المتمثل في تعزيز النمو. وفي كثير من الأحيان توجد مبادلات في الاقتصاد، لكن لا بديل عن النمو والنزاهة معاً، وعلينا أن نعززهما معاً.