فيليب ستيفنز
لا يوجد ما يثير الدهشة بشأن إعجاب دونالد ترامب بفلاديمير بوتين. الرئيس الأمريكي المحتمل والقائد الروسي يتشاركان موهبة السلطوية. فهما يزدريان المشاركة المتعددة الأطراف لمصلحة سياسة السلطة الخام. فوق ذلك، هما قياديان يؤمنان بالتعاملات. الصفقات يجب أن تتشكل بحسب التعريف الضيق للمصلحة الوطنية، غير مقيدة بالقواعد الدولية أو القيم المشتركة.
بوتين يريد إزالة الذل من انهيار الاتحاد السوفياتي. وترامب يعد «بجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». السبب في علاقة القائد الروسي الشخصية السيئة مع باراك أوباما هي رفض الرئيس الأمريكي، الجارح، الانغماس في خيال تكافؤ القوى العظمى. ترامب ربما يفهم علم النفس الروسي بشكل أفضل. فهو لا يتوقف عن الثناء على بوتين باعتباره قائدا قويا وحاسما.
المنافس من الحزب الجمهوري على البيت الأبيض ليس وحده في تملق الكرملين. الشعبويون في أنحاء أوروبا كافة – حزب الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان في فرنسا، والأحزاب الفاشية «جوبيك» و»جولدن دون» في هنغاريا واليونان، على التوالي – يرفعون قبعاتهم تحية لموسكو. بوتين أيضا لديه متعاطفون من اليسار. زعيم حزب العمال في بريطانيا، جيرمي كوربين، يشعر بارتياح في إدانة «الإمبريالية» الأمريكية أكثر من تحدي النزعة الانتقامية لروسيا.
حتى وقت قريب كانت مؤسسة السياسة الخارجية تستعد بهدوء لرئاسة هيلاري كلينتون. ثم جاء ترشيح ترامب ليصبح بمنزلة كابوس قد يتم الاستيقاظ منه في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر). المزاج تغير الآن. فبعد أن أصبحت استطلاعات الرأي أكثر تقاربا، بدأ الجمهوريون والديمقراطيون بتصور ترامب قائدا أعلى للقوات المسلحة. وسادت سخرية كئيبة بين الجنرالات في الولايات المتحدة – أنهم سيزيلون لوحات الدوائر الإلكترونية قبل تسليم ما يسمى كرة القدم النووية – لم تعد تبدو مسلية بالقدر الذي كانت عليه.
المخاوف هي أن مؤيدي ترامب «المتحفظين» قد لا يظهرون في صناديق الاقتراع، وأن الكراهية لهيلاري كلينتون يمكن أن تجعل الوسطيين يبقون في المنزل، وأن عزيمة الناخبين البيض من الطبقة المتوسطة لمعاقبة النخبة يمكن أن تتغلب على تحالف أوباما ـ الفائز ـ من البيض المتعلمين واللاتينيين والأمريكيين السود. كثير من الناس، بعد مواجهة الأدلة الدامغة على كذب ترامب وكرهه للنساء وعنصريته، يردون بأنه «لا يعني حقا كل هذه الأشياء».
الحقيقة المنظمة لبقية العالم هي أن الولايات المتحدة تعد الدولة الوحيدة المهمة في كل مكان تقريبا. لم يعد الأمر يتعلق باستخدام القوة المفرطة خلال التسعينيات، بل بقدرة الرئيس الحساس للانتقادات، الذي يتحدث دون أن يتدبر كلامه، على إحداث الدمار ـ إنه أمر مرعب. كثير من الناس في واشنطن يحاولون إقناع أنفسهم بأن الضوابط والتوازنات في النظام الأمريكي من شأنها تقييده. لكن استنادا إلى محادثاتي هذا الأسبوع، لا أرى أنهم ينجحون في هذه المهمة.
الخوف الواضح هو أن الرئيس ترامب غير المستقر من الناحية المزاجية سيفقد أعصابه في أزمة. روبرت جيتس، وزير الدفاع الأمريكي السابق، من الحزب الجمهوري، يقول ببساطة إنه «لا يصلح ليكون قائد القوات المسلحة». رد ترامب على الهجوم بالقنابل في نيويورك ناسب هذا النمط؛ كان على الولايات المتحدة «ضربهم بشدة (…) فعل شيء جاد هناك» – «هم» غير محددة و»هناك» هي الشرق الأوسط.
الخطر الأكبر يكمن في وعد ترامب بالانسحاب – تمزيق الصفقات التجارية، ونصب الحواجز التجارية ضد الصين، والتنصل من اتفاق تغير المناخ في باريس والصفقة النووية مع إيران، والتخلي عن مسؤولية أمن شرق آسيا وأوروبا. سياسة ترامب مليئة بالتناقضات، لكن هناك أمرا واحدا ثابتا هو نهج الانعزالية العدائية الخاص به. أمريكا ستخوض الأمر وحدها. بعضهم يسميها الواقعية المفرطة. لكن الخطرة هي الكلمة الأفضل.
النظام العالمي الحالي – النظام الليبرالي القائم على القواعد الذي تأسس في عام 1945 وتوسع بعد نهاية الحرب الباردة – يتعرض لضغط غير مسبوق. العولمة في تراجع. في مؤتمر في نيويورك نظمه الفرع الأمريكي لمؤسسة ديتشلي، سمعت تصريحا من رجل دولة أمريكي محترما كبيرا في السن يقول فيه إنه لم يعرف أبدا فترة شهد فيها العالم في وقت واحد هذا العدد الكبير من الاضطرابات والأزمات.
القائمة مألوفة؛ بوتين يحاول إعادة رسم الحدود في أوروبا، والشرق الأوسط يلتهب، والوحدة الأوروبية تتفكك، والإرهاب الجهادي ينتشر، ويتم تحدي التعددية من قبل السلطوية، والصين تتحدى الوضع القائم في بحر الصين الجنوبي، والدول المجاورة لها تتسلح مرة أخرى ردا على ذلك، والشعبوية تقتحم الحصون في أنحاء الديمقراطيات المتقدمة كافة.
بالنسبة لترامب، الحل هو تراجع أمريكي. فهو يريد بناء الجدران. ويشكك في المظلة الأمنية الأمريكية في المحيط الهادئ – ربما ينبغي لليابان وكوريا الجنوبية الحصول على الأسلحة النووية الخاصة بهما؟ كما يقوض صدقية دفاع حلف الناتو عن أوروبا – الولايات المتحدة قد تتخذ موقف المتفرج إذا دخلت القوات الروسية إلى دول البلطيق. ليس هناك منطق في أي من هذا يفيد بأن الأمن القومي الأمريكي محمي من قبل التحالفات والنظام الدولي.
إذا أردنا تصديق استطلاعات الرأي، فإن ترامب انتزع الزخم من هيلاري في السباق الرئاسي. لكن هذا لا يعني أنه سيفوز في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر). هيكلة المجمع الانتخابي لا تمنحه سوى مسارا ضيقا إلى البيت الأبيض. ينبغي لنا أن نكون أكثر من مجرد قلقين. لا أمريكا ولا العالم يستطيعان تحمل اندفاعا نحو انعزالية ترامب.

