مارتن وولف
صنّاع السياسة الاقتصادية البريطانية يواجهون تحدّيات كبيرة. عليهم إدارة الخروج من الاتحاد الأوروبي مع الحد الأدنى من الضرر. وهم بحاجة أيضاً إلى جعل اقتصاد المملكة المتحدة أكثر ديناميكية بكثير. الأمر الأخير لا يُمكن تحقيقه إذا لم يتخلّوا عن أسطورة أن بريطانيا هي منذ الآن قصة نجاح اقتصادية، وإن كانت واحدة مخنوقة من التأثير المستمر غير المرغوب فيه لاقتصاد أوروبي مُنظّم بإفراط.
سايمون تيلفورد، من مركز الإصلاح الأوروبي، يُقدّم صورة أكثر واقعية بكثير عن بريطانيا ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. الارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي للفرد في المملكة المتحدة بين عامي 2000 و2015، بحسب قياس مُعاِدل القوة الشرائية، كان أصغر من ألمانيا وإسبانيا وفرنسا. خلال هذه الفترة تفوّقت المملكة المتحدة على إيطاليا فقط، من بين الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي الأكبر. في عام 2015 حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة كانت أقل قياسا إلى متوسط أعضاء الاتحاد الأوروبي الـ 15 ما قبل عام 2000 مما كانت عليه في عام 2000: حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيها كانت التاسعة فقط ضمن هذه المجموعة.
المملكة المتحدة أيضاً تعاني أعلى معدل من عدم المساواة في الدخل بين هذه البلدان. علاوة على ذلك، كما يذكر تيلفورد، الأجور الحقيقية في المملكة المتحدة انخفضت 10 في المائة بين عامي 2008 و2014، قبل نمو صغير في عام 2015، في حين ارتفعت الأجور الحقيقية الألمانية والفرنسية. في عام 2015، فقط لندن والجنوب الشرقي كانا يملكان حصة أعلى للفرد في الناتج المحلي الإجمالي من متوسط بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 15. المناطق الأخرى في المملكة المتحدة كانت في حدود ذلك المتوسط أو أقل. بشكل عام، ليس من المستغرب أن كثيرا من الناخبين البريطانيين يشعرون أنه تم التخلي عنهم، كما تبين من الاستفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي.
صحيح أن الزيادة في الأجور الحقيقية في فرنسا تزامنت مع معدل بطالة مرتفع. لكن هذا ليس صحيحاً في ألمانيا. العاملون في المملكة المتحدة يعملون أيضاً ساعات أطول من العاملين في بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 15 الأخرى. هذا من المفترض أن يعوّض الأجور الحقيقية المنخفضة التي هي نفسها منخفضة إلى حد كبير بسبب ضعف الإنتاجية في المملكة المتحدة. وفقاً «لإجمالي بيانات الاقتصاد» لمجلس المؤتمر، بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 15 الوحيدة التي حصلت على إنتاج في الساعة أقل من المملكة المتحدة هي اليونان وإيطاليا والبرتغال، في حين إن الإنتاجية للفرد في المملكة المتحدة كانت راكدة منذ عام 2007. مرة أخرى، من الدول الـ 15 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الخمس الأكبر، إيطاليا فقط كان أداؤها الأسوأ بحسب هذا القياس. المملكة المتحدة أيضاً تُشغّل الآن عجزا أكبر في الحساب الجاري، بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، في الدول الـ 15 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
إذن، المملكة المتحدة تتمتع بمعدل بطالة منخفض. لكنها أيضاً تعاني مستوى مرتفعا من عدم المساواة، ودخل حقيقي متوسط، على الأقل بحسب معايير أقرانها الأوروبيين، وقدرة ضعيفة على المنافسة الخارجية. الأهم من كل ذلك، نمو الإنتاجية الأخير كان فظيعاً حقاً.
علاوة على ذلك، مثل هذه الإخفاقات، بالنسبة إلى أقران المملكة المتحدة الـ 15 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ليس من المعقول أن تكون بسبب عبء التنظيم منذ أن كانت، كما ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بحق في تقريرها قبل الاستفتاء عن خروج بريطانيا، لأن «التنظيمات منخفضة قياسا إلى تلك التي في الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي». إذا كان هذا قد أحدث فرقاً، فالمملكة المتحدة ستكون أكثر إنتاجية وحيوية من أقرانها، وليس أقل. نظراً لهذا، إلغاء التنظيمات المتبقية لن يكون بالأمر الذي يحدث تغييرا كبيرا في الموضوع.
يُشير بعضهم إلى هونج كونج وسنغافورة التي تتعامل بالتجارة الحرة كنماذج للمملكة المتحدة، وليس إلى أقرانها الأوربيين. لكن كل بلد من هذين البلدين، أولاً، صغير وثانياً، بعيد عن كونه ديمقراطية متعددة الأحزاب. حكومة سنغافورة كان لها دور قوي في إدارة التنمية الشاملة لاقتصادها. لماذا، بالدرجة الأولى، ينبغي أن يكون هذان البلدان بمثابة نماذج أكثر صلة للمملكة المتحدة مما هي لألمانيا أو هولندا أو السويد؟
الآثار المترتبة على نظرة واقعية للاقتصاد البريطاني هي أن الاقتصاد، حتى بدون صدمة «خروج بريطانيا» التي تلوح في الأفق، يُعاني نقاط ضعف كبيرة بالنسبة إلى الاقتصادات الأوروبية التي يحتقرها نشطاء حملة «خروج بريطانيا». يُجادل بعضهم بأن الانخفاض الحقيقي للجنيه هو في الأساس أمر مطلوب. إذا استمر، فإن انخفاض قيمة العملة ما بعد الاستفتاء ينبغي أن يكون مفيدا في الواقع، على الرغم من أنه يعني انخفاضا في الدخل الحقيقي والثروة. لكن تخفيض قيمة العملة وحده لن يُعالج نقاط الضعف في المملكة المتحدة.
المملكة المتحدة صحّحت أوجه القصور منذ فترة طويلة في جانب العرض. القائمة تشمل: انخفاض الاستثمار ـ خاصة في البنية التحتية، وتعليم أساسي غير كاف لكثير من السكان، وجهل فئة النخبة بقواعد الحساب، وسوق إسكان مشوّهة بشكل صارخ، ومركزية مُفرطة للحكومة، وقطاع شركات قادته مدفوعون بسعر السهم أكثر من صحة الأعمال على المدى الطويل. ليس من المستغرب، نظراً لكل هذا، أن اقتصاد المملكة المتحدة يعتمد اعتمادا كبيرا على الاستثمار المباشر الخارجي الداخل إلى بريطانيا، الذي يبدو من شبه المؤكد أن «خروج بريطانيا» سيُضعفه.
إذا كانت المملكة المتحدة ستزدهر اقتصادياً، فلن يكون كافياً بالنسبة إليها إدارة «خروج بريطانيا»، على الرغم من أنه من المؤكد سيكون صعباً. صنّاع السياسة فيها يجب أن يباشروا أيضاً بالتقييم الواقعي لأداء المملكة المتحدة المتواضع. هذا ليس اقتصاداً يمكن أن يتفوق على العالم. إنه حتى ليس اقتصاداً قد يتفوق على أوروبا، باستثناء استحداث ما يكون في كثير الأحيان وظائف ذات أجر منخفض. سيكون عليها العمل بشكل أفضل إذا كانت ستُحقق مستويات المعيشة الأعلى التي يُريدها شعبها في البيئة الصعبة في الفترة المقبلة.

