السيد ياسين 
اقتبس عنوان المقال مباشرة من عنوان كتاب لي أصدرته عن دار «المستقبل العربي في القاهرة عام 1998». وقد دارت أبحاث هذا الكتاب كما جاء في المقدمة التي كتبتها، حول موضوع «الزمن العالمي» بكل ما يحفل به من مشكلات وتحديات، ليس فقط للدول النامية ولكن للدول المتقدمة ذاتها. ويرد ذلك إلى أن انهيار عصر الحرب الباردة بكل ما رافقه من تجليات فكرية ونظريات سياسية وعقائد عسكرية، قد أدى إلى فراغ كوني هائل، وفتح الباب أمام عشرات الأسئلة التي تتعلق بشكل السياسة في القرن الحادي والعشرين بعد سقوط الشمولية إلى الأبد، وهبوب تيارات الديموقراطية في كل أرجاء العالم. كما أن السؤال الخاص بشكل واتجاهات النظام العالمي الجديد – الذي لا بد أن يتشكل على أنقاض النظام العالمي القديم – أصبح يقض مضاجع الحكام والشعوب معاً في الشرق والغرب على السواء، وإذا أضفنا إلى ذلك تعمق آثار الثورة العلمية والتكنولوجية، وبزوغ الثورة الاتصالية العظمى بما أحدثته من آثار بالغة العمق، لأدركنا أننا نعيش حقاً في زمان عالمي زاخر بالتحديات.
في ضوء عرضنا السمات الرئيسية لخريطة التحولات العالمية، أثرنا سؤالاً جوهرياً هو: «هل نحن كعرب، نعيش الزمان العالمي أم أننا نعيش زماناً عربياً مفارقاً للزمان العالمي»؟.
والواقع، أن أحد الباحثين الثقات الفيلسوف في العلاقات الدولية الدكتور زكي العيدي، وهو من أصل مغربي، اهتم بتحديد سمات الزمان العالمي في كتاب أشرف على تحريره ونشره بالفرنسية بالاسم نفسه. كما اهتممت بموضوع «الزمن العربي» الذي عالجته في بحث قدّم لمؤتمر «الثقافة العربية» الذي نظمته مجلة «عالم الفكر»، ونشرت أوراق المؤتمر في المجلة عدد «403 عام 1998». وكان عنوان بحثي «الفكر العربي والزمن: أين نحن الآن من نهضة مطلع القرن». وفي فقرة تحت عنوان «في أي زمن نعيش»، قلت إن بعض المثقفين العرب طرحوا سؤالاً رئيسياً هو: «هل نعيش كعرب في المناخ نفسه الذي يسيطر على الزمن الغربي بمشكلاته ومناهج تفكيره، أم أن الزمن العربي – نتيجة للفجوة التاريخية والحضارية الكبيرة بيننا وبين الغرب – زمن له خصوصية خاصة ولا علاقة له بالزمن الغربي»؟.
ومنطق هذا السؤال يكمن في الواقع، في حقيقة التخلّف السائد في العالم العربي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، إذا ما قورن بالتقدم الغربي في كل هذه المجالات، والذي هو في الواقع نتاج تراكم تاريخي طويل في المجتمع الغربي. بعبارة أخرى، كنت وغيري من الباحثين العرب نعيد في الواقع، السؤال الرئيسي الذي طرحه جيل المنورين العرب في عصر النهضة العربية الأولى، وهو: «لماذا التخلّف العربي وما هي أسباب التقدم الغربي وكيف نكتسب أسباب التقدم»!
والواقع، أن أحد كبار المؤرخين العرب المفكر المغربي المعروف عبدالله العروي، حاول أن يحدد أنماط استجابة المثقفين العرب لتحدي التقدم الغربي، وذلك في كتابه المعروف «الأيديولوجية العربية المعاصرة». وقد استخدم فيه العروي فكرة النماذج المثالية Ideal types التي سبق أن صاغها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لكي يميز بين مختلف الاستجابات العربية للتحدي الغربي. وهكذا تحدث عن «وعي الشيخ»، ويقصد به الشيخ محمد عبده الذي دعا إلى فهم عصري للإسلام باعتباره لا يتناقض مع العلم، و»وعي الليبرالي» ويقصد به الدكتور أحمد لطفي السيد الذي كان رئيساً للجامعة المصرية، والذي رأى ضرورة القطع مع التراث وتبني الفكر الغربي بالكامل سياسة واقتصاداً وثقافة، وأخيراً «وعي داعية التقنية» ويقصد به المفكر المصري الماركسي سلامة موسى الذي كان يرى الحل في القطع مع ثقافة المجتمعات الزراعية المتخلّفة، والاعتماد على التصنيع والتكنولوجيا.
وأياً ما كان الأمر، فإن المفكر الإيراني المعروف علي شريعتي، سبق له أن صاغ فكرة مهمة حين قال: «ينبغي على المثقف أن يسأل نفسه أولاً في أي زمن نعيش؟ هل نعيش في القرن التاسع عشر عصر الثورة الصناعية، أم في القرن العشرين عصر الثورة العلمية والتكنولوجية؟ وفي تقديره، أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد طبيعة المشكلات التي ينبغي على المثقف في المجتمعات الإسلامية أن يتصدى لها.
والواقع، أن السؤال الذي طرحه علي شريعتي وطالب المثقفين العرب والإسلاميين بطرحه على أنفسهم أولاً، بالغ الأهمية من الناحية النظرية والمنهجية.
وذلك أنه إذا كنا – كمثقفين عرب – طرحنا مشكلة الزمن العربي والتخلف بعد نهاية الحرب الباردة مقارناً بالزمن الغربي الذي تسوده مظاهر التقدم، فإن هذا السؤال لو طرحناه اليوم، لاختفت الفروق بين الزمن العربي والزمن الغربي لأننا – إذا أردنا التحديد العلمي الدقيق – نعيش زماناً جديداً تمام الجدة هو زمن «الاضطراب العالمي» global Turbulence.
ويكفي للتدليل على صدق هذا التوصيف، أن نجيل أبصارنا في مختلف أرجاء العالم – لا فرق في ذلك بين الشمال والجنوب ولا بين الغرب والشرق – لكي نلاحظ أن العالم تسوده موجات هادرة من الفوضى الصاخبة في الميادين السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية.ويكفي للتدليل على صدق هذه المقولة، أن نركز  أولاً على العالم العربي بعد اندلاع ما أطلق عليه «ثورات الربيع العربي». وذلك لأن ما أطلق عليه «الثورة» اختلط في الواقع بالفوضى العارمة، وأدى إلى زعزعة أسس المجتمعات العربية فيما أصبح يهدد وجودها ذاته. لأننا نعيش في الواقع عصر الانهيار الكامل للنظام العربي. ويكفي للتدليل على ذلك، أن نبرز حقيقة واضحة لا خلاف في شأنها، وهي انهيار الدولة الوطنية العربية. فقد انهارت الدولة الليبية وانهارت الدولة التونسية إلا قليلاً وانهارت الدولة اليمنية وانهارت الدولة السورية، وسبق العراق كل هذه الدول بعد أن انهارت الدولة العراقية نتيجة الغزو الأميركي الإجرامي.
وإذا تركنا ما حدث في العالم العربي موقتاً، وأجلنا البصر في العالم على اتساعه، لاكتشفنا سيادة ظاهرة الإرهاب المعولم.
وإذا كان هذا الإرهاب قد اتخذ أشكالاً صارخة في سورية والعراق بعد ظهور تنظيم «داعش» وإعلان قيام الخلافة الإسلامية برئاسة الإرهابي أبو بكر البغدادي، وما قام به هذا التنظيم من مذابح مروعة تذكر بفظاعات القرون الوسطى، إلا أنه ما لبث أن امتد إلى قلب القارة الأوروبية، وقام بأحداث إرهابية في فرنسا ترتب عليها وقوع مئات الضحايا، إضافة إلى أحداث أخرى في بلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية. وحتى الولايات المتحدة الأميركية لم تسلم من هذه الموجات الإرهابية.
من هنا، يصدق تماماً السؤال الذي أثاره علي شريعتي، وهو في «أي زمن نعيش»؟
هناك إجماع بين العلماء الاجتماعيين في العالم على أننا نعيش عصر ما أطلقوا عليه «الاضطراب العالمي»، وهذا الاضطراب أثر في أداء الدول ذاتها، وفي تماسك المجتمعات، وفي القيم السائدة فيها، وفي مختلف ضروب السلوك السياسي والاجتماعي سواء لدى النخبة أو الجماهير.
ولذلك – إذا كان المؤرخ الإنكليزي العالمي إريك هوبزياوم قد أصدر كتاباً فذاً عن تاريخ القرن العشرين أطلق فيه عليه «عصر التطرفات»، فإن عالماً سياسياً أميركياً شهيراً هو جيمس روزناو، هو الذي ابتدع مصطلح عصر «الاضطراب العالمي».

التعليقات معطلة