د. إبراهيم البحراوي
كلما حلت ذكرى حرب أكتوبر وبدأت الاحتفالات بها في مصر لا أستطيع التفكير فيها وحدها ورحت أتأمل ما قبلها وما بعدها وسط خمسة تواريخ. التاريخ الأول يونيو 1967 الذي فقدت فيه أمتنا العربية هضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وغزة. لقد مضى على هذا التاريخ حتى الآن مدة تسعة وأربعين عاماً. وبعد تسعة أشهر فقط ستصل هذه المدة إلى نصف قرن كامل من الاحتلال الإسرائيلي للجولان السورية والضفة وغزة. إنه نصف قرن ممتلئ بأنشطة التهويد والاستيطان اليهودي وإعلانات ضم الجولان والقدس إلى إسرائيل. التاريخ الثاني هو أكتوبر 1973، وهو تاريخ الهجوم العربي العسكري المظفر الشامل على الجبهتين المصرية والإسرائيلية بمشاركة سلاح النفط وفصائل من معظم الجيوش العربية. نعرف جميعاً أن الجسر الجوي الأميركي قد أحدث تعادلاً على أرض الميدان في هذه الحرب. لقد نجحت هذه الحرب في تحريك الجمود الدولي وفتحت الطريق لجهود السلام واحتمالات إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وأدت على الجبهة المصرية إلى انسحاب إسرائيل بعيداً عن خط قناة السويس.
غير أن ميول التوسع الإسرائيلية أعادت الأوضاع إلى الجمود مرة ثانية استناداً إلى أيديولوچية «أرض إسرائيل الكاملة» عند قوى اليمين، وانطلاقاً من نظرية الحدود الآمنة عند اليسار، والتي تعني توسيع حدود إسرائيل لضمان عمق كافٍ للدفاع عن قلب الدولة من ناحية ثانية. أما التاريخ الثالث المرتبط بأكتوبر فجاء بعد أربع سنوات من الحرب، وذلك عندما اضطر الرئيس السادات عام 1977 إلى القيام بزيارته لإسرائيل ليكسر الجمود الإسرائيلي المتعمد، وليخطب أمام الكنيست عارضاً معادلة الأرض مقابل السلام ومحاولاً القيام بأكبر هجوم معنوي على العدو بقصد واضح لتغيير قناعته التوسعية وزرع مفهوم السلام بدلاً منها. كان الحكم آنذاك قد انتقل من حزب «العمل» الممثل لـ«يسار الوسط» صاحب نظرية الحدود الآمنة إلى حزب «ليكود» اليميني المتطرف صاحب نظرية التوسع لأسباب أيديولوچية. استغرقت مرحلة تغيير القناعات الإسرائيلية عامين تضمّنَا توقيع اتفاقيتين عُرفتا باتفاقيات كامب ديفيد. كانت الأولى اتفاقية لإطار السلام الشامل احتوت على مرجعيات السلام على جميع الجبهات ومشروع الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة وغزة، والذي رفضته منظمة التحرير الفلسطينية بضغط من صدام حسين وحافظ الأسد. وكانت الاتفاقية الثانية اتفاقية المبادئ لمعاهدة ثنائية منفردة بين مصر وإسرائيل. أما التاريخ الرابع فجاء عام 1979 عندما وقّع السادات وبيجن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي قضت بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، وهو ما حدث بالفعل، وإنْ كان السادات قد دفع مقابل هذا ثمنيين فادحين: الأول سياسي وتمثل في المقاطعة العربية لمصر وفقدها لمكانتها القيادية في العالم العربي لعدة سنوات. أما الثمن الثاني الذي دفعه السادات فكان شخصياً وتمثل في تعرضه لعملية اغتيال قالت زوجته أخيراً إنه كان يتوقع حدوثها. أما التاريخ الخامس المرتبط بأكتوبر 1973 فهو تاريخ قيام الرئيس ياسر عرفات بتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.
المذهل أننا إذا تأملنا نصوص اتفاقية أوسلو وقارنّاها بنصوص اتفاقية الحكم الذاتي التي وقّعها السادات عام 1978 فإننا نجد تقارباً شديداً يجعلني أتساءل: لماذا ارتضى ياسر عرفات أن يوقّع على اتفاقية للحكم الذاتي شبيهة بتلك التي رفضها منذ أكثر من عقد من الزمن؟ يزداد التساؤل عندما نطالع مقررات المجلس الوطني الفلسطيني بدءاً من دورة عام 1974 التالية لحرب أكتوبر التي عكست إدراك منظمة التحرير الفلسطينية أن المجتمع الدولي لن يوافق على هدف تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وأن أقصى ما سيقبله هو إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة. عندما نتأمل التطورات نكتشف أن ضغوط صدام والأسد على ياسر عرفات هي المسؤولة عن رفضه لاتفاقية الحكم الذاتي التي وقّعها السادات وعندما ضعف نفوذ صدام والأسد أقدم عرفات على توقيع «أوسلو». السؤال الآخر الذي يدور في ذهني هو: لو وقّع الفلسطينيون على الاتفاقية التي أقرّها السادات هل كنا قد رأينا مولد الدولة الفلسطينية؟ الإجابة عسيرة في ضوء سيطرة الأطماع التوسعية الإسرائيلية تجاه الضفة آنذاك واليوم على حد سواء.