سما حسن
على سبيل التغيير، وسط أجواء صراعنا مع فيروس كورونا، انتشر قبل أيام فيديو قصير، لسيِّدة فلسطينية مُسِنِّة، وهي تخَبْز بعض الأرغفة، في فرن منزليِّ الصنع، وخلال عملها لم تتوقف عن نقد بنات اليوم، أو زوجات اليوم، وتقريعهن. الملاحظة الأولى لي في أثناء مشاهدة الفيديو؛ أن الخبز لم يكن يبدو شهيًّا، ولا يبدو مثل الأرغفة التي تُعِدِّها الجدّات الماهرات في العجن والخبز، ولكن السيدة أصرَّت بلهجتها الفلَّاحية أن تقلِّل من قيمة بنات هذا الجيل، وبدأت في المقارنة بينها وبين بنات هذا الجيل، وكيف أنهنَّ لا يصلحن لأعمالٍ شاقَّة، مثل العمل الذي تقوم به الآن. كما أنها ترى أنهنَّ لا يستحققن المهور الغالية، ولا البيوت الفارهة، وبأنهن حتى لا يليق بهن فستان الزفاف الأبيض الذي يتغنّى به المغنُّون، حيث تبدو الواحدة منهن مثل زهرة نيسان المتفتِّحة.
كانت السيِّدة المسنَّة تبدو منفعلة، وهي تقارن بين جيليْن، أو بين جيلها والجيل الحالي، والفارق بينهن ربما كان جيل الوسط، وهو جيل الأمهات، فلو اعتبرنا أن السيدة المتحدّثة في السبعينيات من عمرها، فهي تتحدّث عن عروس صغيرة في العشرينيات من عمرها، وحديثة العهد بالزوج، ولكنها كانت متحاملةً إلى درجة كبيرة تشعرك أن بيتها يمتلئ بزوجات الأبناء الذكور (الكنَّات)، وربما لم ينعم الله بابنة، ولكنها في الحقيقة تصرُّ على ثبات وجودها، حتى آخر رمق.
بعد يومين، خرجت سيِّدة من بنات هذا الجيل، لتدافع عن بنات جيلها، فبدأت بتوجيه حديثها إلى الحاجة أم صبحي، ولفتت نظرها إلى أن أرغفتها كانت جافَّة ومحترقة، ثم أسهبت في تَعداد مزايا بنات اليوم، وبأنهن يعتنين بأناقتهن، وبأنهن يزيِّنَّ الولائم والموائد، كما أنهن معذورات بنومهن، حتى الضحى العالي؛ لأنهنَّ يُولِين اهتمامًا لتدليل الزوج، وقارنتْ بين أناقة بنت اليوم والحاجَّة أم صبحي التي غالبًا ما تنام بثوبها الوحيد الذي أنهت كلَّ أعمال بيتها وحقلها، وهي ترتديه.
ولكن بنت اليوم أخطأت؛ لأن العم أبو صبحي لا يجلس أمام باب دكَّانه؛ ليطالع بنات اليوم، ويقارن بينهن وبين أم صبحي، فأم صبحي شريكة عمر، وهو يُكِنُّ لها كلَّ المحبة والاحترام والوفاء، أم صبحي في عينيه هي أجمل النساء، بثوبها الوحيد والحِنَّاء التي زال لونها، واختلط بشيب شعرها وبجديلتيها، وحتى بخبزها، ولو كان جافًّا ومحترق الحوافّ.
في زمن الحاجَّة أم صبحي بركة وخير ورزق كثير ورضا وقناعة بالفعل، ولذلك العلاقة بين الحاجَّة الغاضبة على كسل بنات اليوم ودلالهن وبين زوجها قائمة على أسس قويَّة ومتينة، بعكس العلاقة القائمة بين أزواج هذه الأيام والقائمة على أسس واهية.
الحقيقة، والحقُّ يقال، أن بنات اليوم، وهنَّ الزوجات الشابَّات تعيسات؛ لأنهن يعملن ويجلبن المال، ومعظم الوظائف والمهن، هذه الأيام تتيح المجال للمرأة أكثر من الرجل، وغالبا ما تكون المرأة هي مصدر المال، في أسر كثيرة. ومقابل ذلك، هي تتعرَّض للتحرُّش، خارج بيتها، وتتعرَّض أيضا للتَّعنيف والاضطهاد من الزوج الذي يمدُّ يده لراتبها، ويطالبها بأن تكون ربَّة بيت، بكامل مَهامِّها، إضافة إلى عملها خارج البيت.
ولأن لكل زمان شيخه، كما يقولون، فلو وجدت أم صبحي صبغة شعر لما تأخّرت، ولكنها لم تجد أمامها سوى الحنَّاء، ولو أنها رأت الأزياء التي تنتشر هذه الأيام، لخصصت لها ثيابًا للبيت، وثيابًا للخروج، وثيابًا لسهرة الخميس، وهي تغني لزوجها: «سُكَّر مَحلِّي على كريمة»، على الرغم من أن هذا الزوج يخونها بعينيه، وهو يتابع الممثلات والعارضات على الشاشات.
أخطأت الحاجَّة أم صبحي، ويقال إنها اعتذرت في فيديو آخر؛ لأن هجومها على بنات اليوم كان قاسيًا، وأخطأت السيِّدة التي دافعت عن بنات اليوم، وسخرت من جديلتي أم صبحي. وكلُّ واحدة غفلت عن أن الحياة تفتح أبوابها للجديد، وأن صراع الأجيال باقٍ بقاء الحياة، ولكن البقاء بالطبع للوفاء، وهذه الخَصلة بالذات بدأت بالانقراض، وكشوفات المحاكم الشرعيَّة عن أعداد حالات الطلاق أكبر دليل وشاهد هذه الأيام.