Pdf copy 1

المدرسة الفكرية للاسدي سفينة  خلاص مرساها  بحر العطاء الحسيني ومستقرها كربلاء الشهادة 
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
والصلاة على خير خلقه محمد واله الابرار الطيبين
عودتكم المستقبل العراقي ان تضعكم دائما امام الحقائق المتفردة والمتجددة والمتميزة والمنتجة … هذه الانتاجية التي لا نعني بها انتاجية الافكار الاشتراكية او الرأسمالية المقيتة  وانما الانتاجية الكونية المتمثلة ب القران الكريم الذي هو بدن وعقل وقلب وروح كل الانتاجيات في هذا الوجود…كيف لا وهو السر الالهي الاعظم والرحمة الواسعة محمد نبي الانسانية وسيد الاكوان والمودة الدائمة علي اميرالمؤمنين ومنهاج الدنيا  والاخرة اهل بيت النبوة الائمة الاطهار وحجة الله على خلقه والصمد الرباني الامام المهدي عليهم افضل الصلوات اجمعين… وحقيقة اليوم  التي نستعرض بعضا منها في هذا البحث الموسوم ب ( السنن الكونية والاخلاقية والتاريخية ) الذي اصطدناه  لؤلوا مكنونا من مياه محيط مدرسة المربي الحاج رحيم الاسدي …هذه المدرسة التي غصنا في بحور افكارها وانهار علومها  فوجدناها انوارا متلئلئة في ظلمات الدنيا الدنية وعالمها المادي الذي لوث ابدان وعقول وقلوب الذين في نفوسهم مرض فزادهم مرضا على مرضهم ….نضعكم  قراؤنا اليوم امام الخطوة الاولى في طريق هذه المدرسة التي ارادها الله ان تكون سفينة النجاة للانسانية لانها بكل ماتعنيه سفينة النجاة الحسينية فهي من الحسين والى الحسين بدنا  وعقلا وقلبا وروحا .. لان مرساها بحر العطاء الحسيني ومستقرها كربلاء الشهادة ومداد كلماتها دماء الطف… ولا نريد ان نسترسل في العرض والاستعراض لهذه المدرسة الفكرية ليقيننا الراسخ بانها هي من تقول كلمتها وتثبت وجودها انوارا للعقول واطمئنانا للقلوب وراحة للابدان المحبة لله تعالى والمخلصة لرسوله الكريم والسائرة على منهج اهل بيته الميامين والمنتظرة لبزوغ شمس حجة البارئ على خلقه اجمعين الامام المبين ليوم الفصل العظيم …..
علي الدراجي
رئـيـس الـتـحـريـر 
الـسـنـن الـكـونـيـة والأخـلاقـيـة والـتـاريـخـيـة 
بعد ان ذهب ليلي حاملاً معه غياهب تلجلجه، وأشرق صباح يومي ناطقاً بلسان تبلجه، وانشرح صدري بأنوار مقادير تبرجه، وراح قلبي يتفتح بمفاتح توهجه ( ).
ابتدأت يومي بالصلاح، حيث انطلقت به كما علمني جدي الإمكان وهو يستقرأ لي أدعية الأيام، فكان يوصيني بما يرد في الدعاء، لأنه خطط إجرائية للتنمية الروحية والعقلية والبدنية، فقال: يا ولدي ابدأ يومك بالصلاح، وأن الصلاح أن تبدأه بمربيك وصانعك وخالقك أن تبدأه بالله تعالى، وأخذ يذكرني بقاعدة من دعاء الصباح تطبيقية (اِلـهي اِنْ لَمْ تَبْتَدِئنِي الرَّحْمَةُ مِنْكَ بِحُسْنِ التَّوْفيقِ فَمَنِ السّالِكُ بي اِلَيْكَ في واضِحِ الطَّريقِ).
فابتدأ يومك بالرحمة وما الرحمة إلا محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وهذه الرحمة لا يمكن الابتداء بها إلا بمحاسن التوفيق، حيث (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف:53)، فهذا الاستثناء من السوء داعية الرحمة بمعنى نهج محمد وآل محمد (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) ( ).
واتذكر مواعظ جدي حين يقول إن الابتداء بالله ورسوله وأولياؤه هو الموصل إلى الطريق الواضح، وهذا الابتداء اليومي بالصلاح إذا استمر إلى الزوال أصيب أوسط نهارك بالفلاح، وبعد أن عرفت أن الصلاح هو المنهج الحق الصالح، فأن الفلاح هو التطبيق الصالح، وعليه فالصلاح هو العلم بالمنهج، والفلاح هو العمل بالمنهج، ويجب أن تحرص على الخطين (الصلاح والفلاح) من أول نهارك إلى آخره، فيكون آخر نهارك النجاح، فالصلاح × الفلاح = الاجراء، حيث الأمرين يكمنا في الاجراء.
أما النجاح فهو من سنة الفضاء، لأن النتيجة الناجحة قضاءاً لمقدمات اليوم من صلاح وفلاح اجراءاً.
وأخذت اتأمل بما أوصاني جدي، بل حذرني انه إياك يا حفيدي أن تجعل أول يومك فزعاً، فانه جاء من معادلة الهلع وهي طرفان:
_________________________
( 1) البدن جرم الليل والظلمة فشأنه أن يتلجلج، والعقل شأنه أن ينطق، ولسانه نور الأفعال الحسنة وبها الحق يتبلج، فالمرء مخبوء تحت طي لسانه لا تحت طي لسانه، والصدر الطريق بين القلب والعقل وبه مقادير راحة البال بحسب تبرجه، والقلب مورد التوهج بالحق، لا يسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن.   الأنبياء: 107.
(2) الأنبياء: 107.
_________________________
ان اصابك الخير تمنع، وان اصابك الشر تجزع، فالفزع يتأتى من المنهج العوج، فمن يبتغيها عوجاً يخاف ويفزع، (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)  (يونس:62).
فالفزع معادلته الخوف من غير الله × الحزن على غير الله، لذا يستمر يومك بالفزع إلى زواله فيكون أوسطه الجزع، حيث اليوم المادي الروتيني والذي لا حياة فيه فهو مغبون وميت، وأن هذين الخطين المتوازيين الفزع المنهج العلمي المنحرف × الجزع التطبيق العملي للانحراف = النتيجة وهي الوجع، وهذا القضاء الذي ينتهي به الاجراء اليومي.
واستغرق دائماً في قوله عندما كان يقول اعلم يا ولدي أوجع الوجع هو الفشل العملي، وأنجح النجاح هو النجاح العملي.
وانتهى يومي بإجرائه وقضائه، وكنت أحرص على أن لا أجعله كأمسه وسابقه حتى لا أكون مغبوناً، وأحرص على أن أجعل به ولو حركة واحدة إجرائية تفوق اليوم السابق حتى يكون أفضل من سابقه.
وتذكرت جدي عندما كان يقول: أن الأيام يوم ينسخ يوم، فإذا أردت التكامل فانسخ يومك بمثله أو أحسن منه وإلا تكون في التسافل.
فلكل يوم فضل وأفضلية، والفضل يأتي من فضائل اليوم العلمية الاقتضائية، وأفضليته تأتي من فضائله العملية الإجرائية (اللهم صل على محمد وآله وارزقني خير يومي هذا وخير ما فيه وخير ما قبله وخير ما بعده) ، فالخير تراكمي في السير اليومي، فإن كان لديك رصيداً من أيامك الخيرة يمكنك أن تبدأ يومك من حيث خيرها فيكون أخير منها، ثم تجعله مؤثراً بالخير في الأيام التي بعده لتكون منطلقاً للخير.
ولا تجعل يومك شراً وشره أشر ما قبله وما بعده، لأن الشر تراكمي في سير الأيام، فالشر فيه تقديم للشر وتأخير للخير ولكل تقديم آثار، وكذلك الخير فأنه تقديم للخير وتأخير للشر ولكل تقديم خير آثار خيره.
_________________________
(1 )  يونس: 62.
( 2)  هذا المضمون موجود في دعاء يوم الخميس من أدعية الأيام وكذلك في جملة من الأدعية منها ما ذكره صاحب كتاب مكارم الأخلاق ص 301، وما بعدها قال: في الذكر بعد الفجر دعاء آخر وهو الدعاء الذي رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين … اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقني خير يومي هذا وخير ما فيه وخير ما قبله وخير ما بعده وأعوذ بك من شره وشر ما فيه وشر ما قبله وشر ما بعده، اللهم صل على محمد وآل محمد وافتح لي باب كل خير فتحته على أحد من أهل الخير ولا تغلقه عني أبدا وأغلق عني باب كل شر فتحته على أحد من أهل الشر ولا تفتحه علي ابدا… والدعاء طويل أخذنا مورد الشاهد.
_________________________
فالتقينا أنا وجدي ليلتها وبعد تجاذبات في الحديث عن الأيام حيث علمني قاعدة ( ) وهي: أن كل الأوقات تلعن الأموات إن عبأتها باللعنة وترحم الأموات إن عبأتها بالرحمة.
ثم أخذني إلى حضنه الواسع وضم رأسي في حجره المانع  وأخذ يقص عليّ قصة الليلة وأنا له سامع.
كان ياما كان في قديم الزمان ثلاث أخوات: 
السنن الكونية، والسنن الأخلاقية فهن بين الأمرين متنقلات بميزان البداء محو وإثبات، ما بين السنن الأخلاقية المحمودات وما بين السنن الأخلاقية المذمومات فهن بالتعاقب مصيّرات ومتغيّرات، فإن ظهرت السنن المحمودات غابت عنها السنن المذمومات، وإن كانت المحمودة في غيّبات كانت السنن المذمومة ظاهرات. 
والثالثة السنن التاريخية فهي ما بين الهلاك والنجاة لأنها محل استعداد وعيبات، إن تعبأة بالسنن المحمودات فتكون محلاً لها وظهورات، وإن امتلأت بالسنن المذمومات كانت محلاً لها وظهورات.
فلأخوات الثلاث متناظرات متشابهات متماثلات متوازيات في الخصائص والصفات وإن افترقن بالهويات.
ثم حَنى رأسه الكريم وكأنه يريد أن يداعب رأسي حناناً منه ، وقال دعني الآن احدثك عن سيرة الأخوات الثلاث.
واعلم حفيدي أن لكل منها دوراً بارزاً في عالم جدك الإمكان فقد صرن ثالوثاً في حناياه ومظهراً لخباياه، فالأخوات متلازمات وبالأخلاق متممات، إن هتكت واحدة منهن كانت مؤثرة وهن بها متأثرات. 
فبادرته قائلاً: يا جد إن كانت السنن التكوينية والسنن الأخلاقية والسنن التاريخية أخوات وما حدث أن الأمر بصلة رحمهن أو قطيعتهن فهل يحدث من فراغ أو من فوضوية وعبث؟
_________________________
(1  ) الزمان عيبة وخزينة لفعلك وفعلك نشر لعقلك فأن كان عقلك يتبع الرحمن فقد كسبت الجنان واشتريت زمانها وهو الخلود بزمان فعلك وأن كان عقلك تبع لهواك فتكون ممن يساق إلى النيران واستبدلت زمانها وهو الخلود بزمان فعلك وبئس للظالمين بدلا.
( 2 ) الواسع صفة تناسب المقايسة مع ضم الرأس سعة وضم واما المانع فبلحاظ موارد الرأس لمنع بلابل الفكر الواردة من وهم الرأس، لأن الكون عالم الحقائق وبعد المقام مقام القلب، لأنه نظر وتأمل بالكبريات من الآيات ولا يتأتى إلا بنفي الخواطر الجزئيات الواردات … 
(3  )  من نعم الله تبارك وتعالى احاطة هذا الكون وآياته بالإنسان والذي وهبه الله البصر والبصيرة حتى يحيط بهذا الكون بفكره وتدبره في الكون وهذا معنى الكرم وحنو الرأس والحنان راسم لعلاقة وصلة بين الانسان كنفس والكون كآفاق وقد ندب القرآن الى النظر في ملكوته او لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء… الأعراف: 185.
_________________________
فأجاب جدي عالم الإمكان قائلاً: 
أعلم يا حفيدي وقرة عيني أن الحوادث لا تحدث من فراغ ومن فوضوية، بل يلازمها أمور منها:
• الأمر الأول: أن الكون ثابت ومتحرك، أما الثابت فهو الآيات الكبرى الروحية، الكليات الروحية الـ 99 كلية = الوحدة، السنن التشريعية والسنن التكوينية، فهي مرجعيات ثابته لأنها أسماء لا يقترن معناها بزمان دون زمان ولا مكان دون مكان.
وأما المتحرك فهي الآيات الكبرى العقلية، السنن القضائية المقتضيات والمسببات، السنن الأخلاقية = وهي الأفعال، ومعناه يقترن بزمان ومكان لذا صارت ثلاث حركات:
1- حركة ما كان وهو الماضي.
2- حركة ما هو كائن الحاضر والمضارع.
3- وحركة ما يكون وهو الأمر والمستقبل.
وهناك المتحرك الثاني فهو الآيات الصغرى (الأعيان) السنن الإجرائية فهو معناه في غيره وهذه حركة الأدوات لذا لكل حادث منها سبب ومقتضى.
• الأمر الثاني: أن الأسباب المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة سواء في الطبيعيات أو الرياضيات أو الإلهيات مما يعطي النتائج المؤثرات في الاجتماعيات وغيرها من السلوكيات والتخصيصات. 
• الأمر الثالث: أن هذا الاطراد في الأسباب والمسببات وجريانها على نسق واحد، أمكن أن تكون هناك خصخصة مثل:
1- علوم طبيعية واجتماعية ونفسية وكذا سائر العلوم.
2- استفادة الناس من دراسة السنن التاريخية لأنها عيبة للسن الأخلاقية.
3- استفاد البعض من تجارب البعض الآخر والاتعاظ بها لأنها سيرهم وأفعالهم.
4- استطاعة الناس أن يتعاملوا مع الطبيعة والناس من حولهم مع أنفسهم وفق المقتضيات والأسباب.
• الأمر الرابع: لا يمكن ذلك إذا كان من الممكن للحادث أن يحدث من فراغ، أو إذا كان السبب الواحد يؤدي إلى مسببات مختلفة، بل متضادة بحسب الزمان والمكان.
 مثال:
إذا كان الماء الذي وضع على النار فأخمدها بالأمس، يوضع عليها اليوم فيزيدها اشتعالاً، لذا فأول المقدمات تساوي آخر النتائج.
كل القواعد والسنن تجري لمستقر وتطبيق الناس بها يجري لممر، لذا نبين أموراً مهمة منها:
1- الأمر الأول: الإيمان بها لا يعصم الناس من الخطأ في تطبيقها.
2- الأمر الثاني: لا يلزمهم بعزو المسببات إلى أسبابها الحقيقية التي يعلمونها، بل يعزونها زوراً إلى أسباب يعلمون أنها ليست أسباباً لها، فالناس مخيرون من شاء اعترف بالحق، ومن شاء كذبه، فالنفس الحسية الحيوانية مفصلية ما بين الحسية وما بين الحيوانية.
3- الأمر الثالث: هذا الإيعاز والانحراف عن السبب الحقيقي يأتي من ثلاث:
أ‌- الجاهل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا الجاهل فعلموه، لذا هذه الفئة ممكنة تعليمها.
ب‌- الغافل يدري ولا يدري أنه يدري فهذا الغافل فنبهوه، لذا هذه الفئة يمكن تنبيهها. 
ت‌- الأحمق فاجتنبوه لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا الأحمق فاجتنبوه، وهذه الفئة يمكن اجتنابها لأنها على قلوب اقفالها.
4- الأمر الرابع: العالم يدري ويدري أنه يدري فهذا العالم فاتبعوه بكل تخصص فهم أولوا الألباب، منهم لا يكتفون بالإيمان بصدق القاعدة، بل ينظرون في دعاوى الربط بين المسببات المعينة وأسبابها المدعاة، هل قام دليل على صدقها أم لا؟
وبهذا تميزت الأمور منها:
أ‌- كذب الناس السحرة والدجالين والمخرفين.
ب‌- عرفوا الفرق بين النبي المرسل ومدعي النبوة. 
5- الأمر الخامس: الصدق لا يعصم من الخطأ، فقد يظن الإنسان صادقاً، أن هنالك رابطاً بين نتيجة معينة وسبب معين ويكون مخطئاً في ظنه، يحدث هذا حتى في أكثر العلوم انضباطاً كعلم الفيزياء أو الكيمياء، ودعك عن علم الطب وعلم النفس والاجتماع وما فيها من أخطاء.
أن الإسلام إنما يخاطب العقلاء من الناس فإنه يستعمل هذه الحجة التي يسلمون بها فيدعوهم إلى: 
1- الاعتراف بالنتائج التي عرفوها والسنن التي اكتشفوها تؤدي إلى النتيجة نفسها في حالة أخرى.
2- يعرفهم أسباب يجهلونها، ويخطئ ظنهم في أسباب ظنوها أسباباً لمسببات معينة وما هي بأسبابها الحقيقية.
وهذه أمثلة من الاستقراءات الكونية:
(فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ * فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا* وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) ( ).
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ( ).
(سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ * وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) ( ).
يا بني أن السنن التكوينية لا تبديل فيها ولا تحويل، وأن السنن الأخلاقية تحمل المحو والاثبات، لذا فهي أما تثبت المحمودية فتكون محمودة وهنا تمحو المذمومية أو بالعكس، ومن هنا كانت السنن التاريخية عيبة للسنن الأخلاقية، إن كانت محمودة فالتاريخ محمود أو مذمومة فالتاريخ مذموم.
هذه الاستقراءات الكونية في الأمثلة التي مرت وغيرها بأنها لا تتغير ولا تتبدل، إنما هي سنن كونية وسنن ذاتية.
تلكم السنن لا يمكن تسميتها: 
1- بعلم الاجتماع، لأن علم الاجتماع متحرك القيمة إلى أن يصل عالم الاجتماع في نهاية الأمر إلى القيمة الثابتة، فعلم الاجتماع اليوم ترتيلي وتفصيلي ولم يكن علماً اجتماعياً تنزيلياً.
_________________________
(  1) فاطر: 43.
( 2 ) آل عمران: 137.
( 3 ) الأحزاب: 62.
_________________________
2- بالسنن الطبيعية، لأن علوم الطبيعة اليوم ترتيلية وتفصيلية، لذا فقيمها متحركة، وتتحرك إلى علومها بقيمها الثابتة.
إذن هذه سنن تكوينية ثابتات تنزيلية في الذات الإمكانية من البدايات من أول التقدير لتكون هي الأذونات النازلة في كل ذات من الممكنات منذ البدايات وتأولية في التفاعلات إلى النهايات، فالمراد السنن الأخلاقية المحمودات في التفاعلات لتكون السنن التكوينية والأخلاقية متطابقات وهذا يعني تطابق الفعل مع الذات.
لا يمكن أن تُخرق السنن التكوينية، فالذي ذهب إلى أن فلق البحر، ونار نبي الله إبراهيم عليه السلام وغيرها هو خرق للسنن التكوينية، فهو أوعز الأسباب إلى غير أسبابها الحقيقية.
فالنار لم تحرق خليل الله إبراهيم عليه السلام، والبحر انفلق لكليم الله موسى عليه السلام، والقمر انشق لحبيب الله محمد صلوات الله عليه وعلى آله، فكلها سنن تكوينية وصل الإنسان إلى أسبابها فكان هو سبباً فيها، ومنها:
1- تحويل الإنسان إلى طاقة يكون متصرفاً بالمادة كالنار والبحر والقمر.
2- هذه الأمور هي سنن ثابتة لا تتغير.
ثم أن الخرق إنما هو خرق للسنّة التي اعتادها الناس، لأن علمهم قليل وليس خرقاً لقانون السببية.
يا حفيدي: أن الخرق نفسه الذي يعتقدونه يكون بأسباب أخرى ليست معهودة للناس، معرفة السنن الكونية مطردة لذا أمكن أن نعرف حقيقة الدين.
يا حفيدي: أن اطراد التشريع مبني على اطراد السنن الكونية، وهذا ما جعل التشريع سنة ثابتة لا تتغير.
يذكرنا الله سبحانه وتعالى بسنّة تكرار النتائج إذا ما تكررت الأسباب، فإنه يرشدنا إلى الأسباب التي لم نكن نعلمها، إن القرآن الكريم ليدلنا على أن هذه العلاقة بين الظاهر والباطن سُنّة عامة.
ثبات التشريع وعدم تغيره من زمان إلى زمان أو من مكان إلى مكان دليل على أن من شرع لهم لا تتغير فطرتهم وطبائعهم التي بني عليها التشريع، لأنها خصائص ذاتية، وإنما تتغير الخصائص العرضية. 
يا حفيدي: هنالك سؤال افتراضي ما علاقة الأسباب بالخالق سبحانه وتعالى؟
الجواب: أن الناس افترقت إلى ثلاث فرق:
• الفريق الأول: وقف عند حدود الأسباب وذهب إلى الاعتقاد بأنها هي التي تفعل بنفسها فلا حاجة لافتراض خالق لها، فركبوا الجهل أو الغفلة أو الحمق عن الأسباب، وما من شيء إلا ندعوه سبباً وهذا الرأي عقيم.
• الفريق الثاني: أن فاعلية الأسباب تتناقض مع خلق الله، واعتقدوا بأن الله تعالى يخلق عندها لا بها، أي إذا رأيت الورقة أُلقيت في النار فاحترقت فلا تقل إن النار أحرقتها، ولكن قل إن الله أحرقها عند ملاقاتها للنار وهذا الرأي سقيم.
• الفريق الثالث: إن الله تعالى هو الذي خلق الأسباب وجعلها أسباباً، ففاعليتها لا تدل على الاستغناء عنه، كما أنها لا تتناقض مع خلقه لها، بل أن من شأنه سبحانه أن يخلق بالأسباب، ولذلك استعملت باء السببية في وصف كثير من الحوادث الطبيعية، لأن الشيء مركب من عوالم ثلاث روح وعقل وبدن.
فيا حفيدي: اعلم أن الأسباب من مقتضيات المادة، أما الطاقة فهي لا تحتاج إلى الأسباب، وهذا ما نراه في دولة الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف يكون جدك أمة واحدة، فلا أسباب ولا مقتضيات وإنما نحيي حياة العقل التام الذي يقابل الروح، فلأبدان التي رضيت الإسلام ديناً كما رضاه الله لنفسه ولن يرضى بغيره.
فطوبى لها لأنها تحيي حياة الطاقة والتي لا تقسيم ولا تجزئة فيها للزمان والمكان والمعادن، فالزمان نحيي فيه الوحدة الزمانية، والمكان نحيي فيه الوحدة المكانية فضلاً عن حياتنا بالوحدة المعانية، فتنقاد لنا الأشياء بالملكة فنحيى الملك الحقيقي بالتمليك كما ملكنا الله ملكه الذي عنده بلا تمليك.
فالكثرة الزمانية والمكانية والمعانية دواعي إلى التقحم بالأسباب والمقتضيات.
واعلم يا حفيدي أن السنن ثلاث أخوات متلازمات فيجب أن نجعلهن في التفاعل متماثلات ومتناظرات لا مختلفات ولا منشقات وعلى أنفسهن منقسمات فتلك عقدة السنن المتفاوتات هي مصيبة المصيبات.
فيا حفيدي: عرفت الآن السنن التكوينية الثابتات وعلاقتها الحميمة بأختها السنن الأخلاقية المحمودات، فالآن دعنا نعرف الأخت الثالثة السنن التاريخية وعلاقتها:
• أولاً: أن علم الأخلاق هو سيد العلوم والمهيمن على كل علم وهو منطق الفعل، حيث علم النحو علم يعصم اللسان من الخطأ، وعلم المنطق يعصم الفكر من الخطأ، وعلم الأخلاق علم يعصم الفعل من الخطأ، لذا فعلم الأخلاق علم أعم من علم الأقوال وهو علم النحو، وأعم من علم الأحوال وهو العلوم الفكرية والتي تتعاطى الكليات والسنن التطبيقية كعلوم الطبيعة، وكل العلوم نسبتها نسبة خصوص لعموم مطلق من علم الأخلاق، لذا فعلم الأخلاق = علوم الأقوال وعلوم الأحوال.
• ثانياً: الأخلاق جمع خُلق، والخُلق هو ما يقابل الخلق تقابلاً اجرائياً طولياً وبين الخُلق، والخُلق تلازم وتطابق لا يختلفان ولا يتخلفان عن بعضهما، والخلق هو ملكات روحية في الروح تتجلى بها إلى فعل الخير والذي هو كفئ الخلق وتتجلى بها إلى العقل، وبما أن العقل يعامل الإيحاء والأهواء لذا فأن كانت إيحائية فهي ملكات روحية أوحت بها الروح للعقل، وأن كانت أهوائية فهي عقدة نفسية فتتفاعل بفعل الشر، فما يصدر من الروح ملكات وما يصدر من النفس عقد، وهذا ما يجعل صدور الفعلين عن الإنسان، وبهذه الصفة يمتاز الإنسان عن سائر المخلوقات، إذ أن ما سوى الإنسان لا يدرك قيمة هذه الصفة ولا يهتم بها بل لم يؤهله الله تعالى للتحلي بها، من هنا صح القول أن الأخلاق قيمة إنسانية.
• ثالثاً: الأخلاق هدف ومنطلق الأنبياء، فكل آدمي يصل إلى الخلق الروحي بمعنى إلى الملكات الروحية يستحق النبوة ويستوجب الرسالة، لذا فكل الأنبياء وصلوا إلى الخلق وكلهم بدرجات خلقية متفاوتة، فعلى بعضهم على بعض بعلم الخلق حتى تمم الخلق الروحي بنبوة محمد صلوات الله عليه وآله، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عليكم بمكارم الأخلاق، فإن الله عز وجل بعثني بها، وقال أيضاً: إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ( ).
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأخلاق الكريمة هي الهدف الأسمى لبعث الأنبياء عليهم السلام، وقد جاء السابقون منهم ببعض هذه الأخلاق وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتمم ما نقص منها ويبين ما لم يبينه من سبقه من الأنبياء.
_________________________
(  1) جملة من الأحاديث بهذا المضمون منها عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: سمعت ابي جعفر بن محمد عليه السلام قال: حدثني ابي عن ابيه علي عليه السلام قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: بعثت بمكارم الاخلاق ومحاسنها كما في بحار الانوار ج 96 ص 404 ح 104، وعن النبي صلى الله عليه وآله إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق كما في مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج11 ص 187 باب 6 من جهاد النفس.
_________________________
حيث أن الخلق في ذاتهم تام كامل، لأنه كفؤ الخلق، وإنما التتميم بالفعل أي السير الفعلي إلى الذات الآدمية سيراً تكاملياً تكافئياً بالملكة، لأن العصمة هي تكافؤ الملكات في تجليها الفعلي، أما غير المعصوم فأن سيره الملكوتي إلى ذاته سيراً تكاملياً تفاوتياً بالملكة.
• رابعاً: وإذا كانت مكارم الأخلاق هدف الأنبياء فمعنى ذلك أن تكامل الإنسان هو الهدف الأسمى من خلقه لا يكون إلا بواسطة التحلي بهذه الأخلاق، ولهذا بعثهم الله تعالى ليبينوها للناس وليطبقوها أمامهم ليكونوا مُثُلاً عليا ونماذج حية يقتدى بها، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلى رتبة من رتبة التكامل الإنساني بأخلاقه السامية، حيث استحق مدح الله تعالى بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ( )، حيث كان فعله كفؤ ذاته بمعنى (خلقه بالضم عين خلقه بالفتح) وهذا مقام الأحسن تقويم.
• خامساً: الخلق = الدين، هدف الإسلام كدين من الأديان السماوية أن يبني الإنسان من جميع نواحيه بناءاً فعلياً حتى يصل به إلى ذاته، لأن الدين = الخُلق، والخُلق = الخُلق، إذن الدين = الخُلق، فالدين هو الفطرة وهو الملكات الروحية، فشرع لأجل ذلك أحكاماً ووضع قوانين متوافقة مع نظامه الكوني، فروحه سلطانه التشريعي، وعقله القضائي، وبدنه سلطانه الإجرائي ليكون حكومة كاملة بذاته وأوجب علينا الوصول إليها بالفعل، لذا توعد من خالفها بالعقوبة، لأن المخالفة لها تعد هلاكها الكوني وجوداً وتكويناً، ووعد من وافقها بالأجر والثواب، لأنه متفق معها اتفاقاً ذاتياً، كل ذلك من أجل أن يحمله على التحلي بالقيم السامية والأخلاق الفاضلة.
• سادساً: العمل بالأحكام الشرعية يشكل الحد الأدنى من علم الأخلاق، هذا الحد الذي لا يمكن التهاون به والتسامح في تركه، لأنه الحد الفاصل ما بين التكامل والتسافل، فالأحكام أربعة:
أ‌- الحلية وفعلها موجب للتكامل وتركها موجب للتسافل.
ب‌- الحرمة فعلها موجب للتسافل وتركها موجب للتكامل.
ت‌- الاستحباب فعله موجب للتكامل وتركه لا تسافل فيه. 
وإنما يقف التارك له في محله، والمكروه تركه موجب للتكامل وفعله لا تسافل فيه بل يقف الفاعل له في محله، لذا بلوغ هذا الحد يؤسس لقيام عملية البناء الإنساني والتكامل البشري من خلال التحلي بالأخلاق الكريمة التي صورت بهذا التصوير
_________________________
(  1) القلم: 4. 
_________________________
الشرعي لكي يطلبها الإنسان من تلقاء نفسه رغبة في الوصول إلى مقام العبودية الحقيقية لله تعالى وخلافته في الأرض، ونيل الأجر الجزيل والثواب العظيم على تطوعه هذا، وفي هذا الميدان يتفاضل شرفاً وسمواً وضِعةً انطلاقاً من التقابل الإجرائي بين الملكة الروحية والعقد النفسية، فمن بلغ أعلى مراتبها بلغ درجة الكمال كالنبي وآله عليهم السلام ثم الأدنى فالأدنى.
• سابعاً: تهذيب النفس وسيلة للتمام الفعلي الموصل للكمال الذاتي.
يا بني: أن عملية التكامل لا يمكن لها أن تنطلق في طريقها الصحيح إلا من خلال تهذيب النفس وتصفيتها من شوائبها أولاً ثم تزيينها بمكارم الأخلاق ومحاسن الطباع، ونقلها من العقد النفسية والتي تبعث على فعل الشر إلى الملكة الروحية والتي تبعث على فعل الخير وهذا ما يستلزم المرور بمرحلتين: 
أ‌- المرحلة الأولى: مرحلة الاستفراغ من الحيوانية حيث يترك فيها المرء ما علق فيه من خبائث الطباع ورذائل الأخلاق، وذلك ضمن عملية ترويض للنفس وقهرها وتطهيرها من الأردان والأوساخ المسماة بالصفات المهلكة، ولا يمكن أن يتم الاستفراغ إلا بتنظيم النامية النباتية والحيوانية، والثلاث تخص المادة والثقالة، والبدن، وامتلائها بالحسية، والقدسية.
ب‌- المرحلة الثانية: مرحلة الامتلاء بالحسية القدسية وهي أن تجعل الحسية أرجح من الحيوانية دائماً على أقل تقدير، حتى تصل للقدسية ثم الكلمة الإلهية وهذا المنى والمراد وهي عملية إعادة بنائها من جديد على ضوء ما جاء به الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام من الدعوة إلى التطبع بطباع فاضلة وتزيينها بمكارم الأخلاق والمسماة بالصفات المنجية.
• ثامناً: تهذيب النفس جهاد أكبر، وتهذيب النفس عملية صعبة في حد ذاتها لأنها تتطلب بذل جهد كبير لمخالفة الرغبات والشهوات وقسرها على تحمل المشقات والتضحيات، لأن الجهاد الأكبر هو أن تقاتل جيشاً وقائداً لا تعرف عدته وعدده وأنت وحدك وهو يراك هو وقبيلة جيشه من حيث لا تراهم وسلاحه كل ما تميل إليه النفس البشرية، فكان السالك العامل على ترويض نفسه أشبه شيء بمن يجدف مركبه بعكس التيار، ولهذا كان بذل هذا الجهد جهاداً، بل هو جهاد أكبر، عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما خاطب جماعة من أصحابه كانوا في سريّة وعادوا منتصرين: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر.
فقيل له يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟
قال: جهاد النفس.
فيريد الرسول بيان أن الجهاد في سبيل الله ما هو إلا خُمس الجهاد الأكبر، فالجهاد الأكبر ما هو إلا الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصوم الذي يعلمنا الإخلاص في النية والعمل، والزكاة والحج مع الاستطاعة فهذه الأربعة هي كل منها 1× 4، لذا فالجهاد الأصغر ما هو إلا منظومة تحافظ على جهادنا الأكبر، فمتى ما تهدد الجهاد الأكبر وهو الصلاة والصوم والحج والزكاة يكون الجهاد الأصغر وإلا فلا مما يجعل المؤمن في جهاده الأصغر في معادلة 1 × 4 = الجهاد العلمي.
فمن كان يملك إرادة الجهاد الأصغر وليس له إرادة للجهاد الأكبر يكون جهاده لغير الله، لأنه طلب للسياسة والرياسة.
قال امير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: وأيم الله يميناً استثني فيها بمشيئة الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه طوعاً، وتقنع بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها  .
وعندما نظر جدي إلى عيني وقد أصابها الفتور قال طوبى لمن عينه تنام على ما أنجز في يومه ما يريده الله منه فيكون أول يومه فلاحاً وأوسطه صلاحاً وآخره نجاحاً وطوبى لمن جعل أول يومه فزع وأوسطه جزع وآخره وجع.
ثم حملني بين يديه ووضعني في فراشي وأنا كلي شوق إلى الليلة القادمة.
_________________________
(1 ) نهج البلاغ، من كتاب له عليــــه السلام لعثمان بن حنيف واليه على البصرة.
_________________________
المربي الحاج رحيم الاسدي

التعليقات معطلة