Pdf copy 1

محمد عبد الجبار الشبوط
الخلق: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ. ًفَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ،  إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ».
الاستخلاف: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. ًوَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.»
التأملات
الايتان محل البحث، اي اية الخلق واية الاستخلاف تستخدمان صيغة اسم الفاعل «خالق» من الفعل «خلق»، واسم الفاعل «جاعل» من الفعل «جعل». 
اسم الفاعل هو صيغة تُستخدم للدلالة على من يقوم بالفعل في زمن غير محدد، لكن غالبًا ما يُفهم من السياق. العبارتان “إني خالق بشرًا” و”إني جاعل في الأرض خليفة» تدلان على المستقبل. في السياق العربي، خاصة عند الحديث في نطاق نصوص دينية أو لغة تأملية، تشير هذه العبارات إلى نوايا أو أفعال مستقبلية يعتزم الفاعل القيام بها.  التعبير “إني خالق” أو “إني جاعل” ويضاف إليه «إني» الذي يعني «إنني» أو «أنا» ليصبح اسم الفاعل دالاً على نية المتكلم أو تأكيده على حدوث فعل ما في المستقبل. هذه الطريقة في العرض تظهر القصد والتصميم الواضح نحو تحقيق شيء ما. في كلا العبارتين، الفاعل (المتكلم في العبارة) يعبر عن نيته المستقبلية لخلق الإنسان أو جعل خليفة في الأرض، مما يعطي دلالة واضحة على المستقبلية في النية والفعل المزمع تنفيذه. كلاهما يدل على الفاعلية والقدرة على تنفيذ العمل، لكن بدون تحديد زمني صريح مثل المضارع أو الماضي أو المستقبل. ومع ذلك، في الاستخدام القرآني أو الديني لهذه الألفاظ، يُفهم من السياق أن الحديث يذهب إلى نية أو تحقق مستقبلي للفعل وفقـًا للإيمان بقدرة الله على الخلق والتدبير.
صيغة اسم الفاعل في اللغة العربية تحمل دلالات متعددة وأبعاداً غنية تعكس جوانب مختلفة من الفعل والحدث. في الآيات القرآنية محل البحث يتجلى استخدام اسم الفاعل في إضفاء معانٍ عميقة تتجاوز السياق اللغوي إلى التأكيد على بعض الخصائص الإلهية ومفاهيم إيمانية. إليك بعض الدلالات التي يمكن فهمها من خلال استخدام صيغة اسم الفاعل في هذا السياق:
1. **التأكيد على الفعل واستمراريته:** استخدام اسم الفاعل يشير إلى التأكيد على الفعل نفسه وكذلك قد يشير إلى استمراريته وديمومته، ما يعني أن الفاعل (الله في هذه الحالة) قادر على القيام بهذا الفعل متى شاء وكيفما شاء. 
2. **القدرة والسلطة:** في قوله تعالى “إني خالق بشراً» و»إني جاعل في الأرض خليفة»، يتجلى التأكيد على القدرة الإلهية والسلطة اللا محدودة لله سبحانه وتعالى على الخلق والتدبير. هذه الصيغ تعزز الإحساس بالعظمة والقوة الخالقة لله.
3. **الإعلان والتبليغ:** استخدام صيغة اسم الفاعل في هذه السياقات يحمل في طياته إعلاناً من الله عز وجل عن نيته أو عن فعله الذي سيتم أو تم بالفعل، وهذا يعطي بعداً تبليغياً وإخبارياً يهدف إلى توجيه الانتباه إلى هذا الفعل معتمداً على أهميته.
4. **التفرد والاستقلال:** إن استخدام الله لصيغة اسم الفاعل في مثل هذه الآيات يبرز تفرده واستقلاله في القيام بمثل هذه الأفعال دون الحاجة لأي مساعدة أو تدخل من أحد، مشدداً على أن هذه الأفعال مقتصرة عليه وحده، ما يعزز من مفهوم الألوهية.
5. **التخصيص:** من خلال استخدام “إني” بالإضافة إلى صيغة اسم الفاعل، يتم التخصيص والتأكيد على أن الله وحده هو القائم بهذا الفعل، ما يبرز العلاقة الخاصة بين الخالق والمخلوق، ويعمق الإحساس بالعبودية والتفرد الإلهي. تذكر أن اللغة العربية غنية بالتراكيب والصيغ اللغوية التي تمكن المتحدثين من التعبير عن معانٍ دقيقة ومتنوعة، واسم الفاعل هو أحد هذه الأدوات القوية في هذا التعبير.
الله اخبر  الملائكة انه بصدد خلق «بشر».  نلاحظ هنا ان الملائكة لم تعترض  على هذا، وانى لهم ذلك. فالملائكة يعرفون ان الله يخلق ما يشاء. 
لكنهم “استغربوا” (والعبارة مجازية ورمزية) حين اخبرهم انه سوف يجعل هذا الكائن الجديد «خليفة» له في الارض، اي مدبرا ومديرا ومعمرا للارض،  ذلك لان هذا المنصب يتطلب مواصفاتِ كفاءة وقدرة لم يجدها الملائكة في الكائنات البشرية قبل ادم. فلم يكن الانسان قبل قرار الاستخلاف «شيئاً  مذكورا»، و كان البشر او اسلاف البشر يتقاتلون فيما بينهم ويسفكون  الدماء وبفسدون في الارض، فتساءلوا :»أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء». كان الحوار عن المستقبل الذي ينتظر ادم بوصفه خليفة لله، حيث شعر الملائكة بالقلق من هذا المستقبل، وهم محقون في ذلك لأنهم ينظرون الى المستقبل بعين الحاضر، ولا ينظرون الى الحاضر بعين المستقبل فلم يكن لديهم علم بما اعده الله للمستقبل. فهم لا يعلمون الغيب. وكان على ادم ان يشرح لهم المستقبل، و الله علم ادم «الاسماء كلها» اي تفاصيل المستقبل التي من شأنها معالجة القلق والتخوف اللذين شعر بهما الملائكة. والصورة المستقبلية القادرة على ذلك يجب ان تقدم النقيض التام لحالة سفك الدماء و الافساد في الارض. انه اذن مستقبل خال من الفساد وخال من سفك الدماء. انه المستقبل الذي يجسد تكامل الانسان خلقا وخلقا ويجعله صالحا وقادرا على ان يكون خليفة لله بحق. ما كان يشغل بال الملائكة هو كيف يمكن أن يكون هذا الإنسان الشبيه باجناس بشرية قبله أن يكون خليفة صالحاً لله.  ولم يكن الملائكة على علم بالمؤهلات الكاملة التي أودعها الله للإنسان هذا المخلوق الجديد الذي سوف يتمكن من الوصول إلى حالة الكمال بعلم الله و هدايته. اذا، «الاسماء كلها» هي المستقبل كله؛ صورة المستقبل وتفاصيلها كما يريدها الله. 
لا ندري بطبيعة الحال كيف علم الله الإنسان و شرح له المستقبل والطريق المؤدي إليه. قد يكون التعليم تكوينيا قد يكون غير ذلك.  كما لا نعلم كيف انبأ ادم الملائكة باسمائهم أي بتفاصيل المستقبل والمراحل المؤدية إليه وقد يكون هذا  تكوينيا أيضا. لكن ما يهمنا هو أن الملائكة بعد هذا الحوار أصبحوا على علم بأن الإنسان مؤهل لسلوك طريق الكمال بهداية الله. ونحن نعلم بعد ذلك أن القرآن الكريم  شرح هذا المستقبل حيث تكفل بكشف الأسماء التي علمها الله آدم. وانبأ آدم الملائكة بها‏. وبعد ان عرف الملائكة المستقبل امرهم الله بالسجود لادم، وهو سجود تكريم وليس سجود عبادة، الا ابليس الذي عرف موقعه في هذا المستقبل، وعرف نهايته ايضا، بعد ان امهله الله الى يوم «الوقت المعلوم»، وهو احد الاسماء التي علمها الله لادم. وبذلك تحددت احدى معالم المستقبل فيما يتعلق بالعلاقة المتوترة بين الانسان وبين ابليس. ولم يكن ابليس سعيدا بهذا. فاطلق تهديده ومضمونه انه سوف يحول بين الانسان وبين الصورة المستقبلية التي ارادها الله له. بالجمع بين الايتين تتضح اطوار خلق الانسان، وهي كما يلي: بداية الخلق، ثم التسوية، ونفخ الروح، والاستخلاف، ثم الامر بالسجود لادم. لا نعلم كم استغرقت هذه المراحل من زمن. لكن المؤكد انها تفصيل لكلمة «اطوارا» الواردة في قوله تعالى: «وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا». 

التعليقات معطلة