Feature

      المستقبل العراقي /ابراهيم جاسم مهدي 
 
شعور السيدة  مريم،”52 “ سنة،التي انشغلت أعواما في تربية أبنائها ورعايتهم حتى كبروا وبات كل واحد منهم منشغلا في حياته وأعماله، بالوحدة والفراغ هو ما جعلها تفكر ملياً بالعودة لمقاعد الدراسة من جديد لتقضي وقتا مثمرا يملأ حياتها.
مريم قررت التوجه إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من حصولها على البكالوريوس، لتحصل على شهادة الماجستير، الأمر الذي شجعها عليه أفراد عائلتها وقاموا بدعمها نفسياً ومعنوياً كونها كانت محرجة من العودة إلى الجامعة وهي في هذا السن.
تقول مريم “في البداية شعرت بالحرج الشديد لأنني سأذهب إلى الجامعة مرة أخرى وأحضر محاضرات مع طلاب بأعمار أبنائي وهذا تطلب مني بعض الشجاعة خصوصاً وأنها فكرة غريبة”، متابعة “الا أنه ومع مضي الوقت بات الأمر مريحاً وطبيعيا بالنسبة لي، بل على العكس بات تعلقي بالدراسة والجامعة كبيرا وأنتظر كل يوم بيومه”.
وتضيف أنها الآن أنهت أكثر من نصف المدة، مبينةً أنها سعيدة جداً لما حققته وأنها تفكر بالخطوة التالية التي ستبدأ بها بعد أن تنهي الماجستير مباشرة.
مريم ليست وحدها التي قررت الالتحاق بالجامعة في عمر متأخر، فهند عبدالله (46 عاماً) هي الأخرى انشغلت طوال حياتها في رعاية عائلتها واعطاء كل ما تملك لهم، أما الآن بعد أن تزوج أبناؤها والكل بات منشغلا بعائلته وحياته آن لها أن تلتفت لنفسها، وفق قولها.
قررت هند الالتحاق في دورات تفيدها في حياتها حيث تقضي وقتاً ممتعاً فيها وتتعلم أشياء جديدة لنفسها  وتطبقها على من حولها أيضا، حيث تشير إلى أنها للمرة الأولى تشعر بأنها تقوم بعمل شيء لذاتها ومن أجلها وأن هذا شعور جميل جداً ويجعلها تشعر بالتميز خصوصاً وأنها استطاعت أن تستفيد من هذه الدورات في علاقاتها وتكون صداقات جديدة وعالما خاصا بها.
وبات الأمر لا يقتصر على تحديد وقتها على حسب عائلتها ومصالحهم، وفق قولها، بل على العكس باتت هي المنشغلة والتي لها حياة خاصة ومواعيد وتبحث عن وقت فراغ لتقضيه مع عائلتها.
خديجة مراد (50 عاما) هي واحدة أخرى شعرت بأنها قامت بواجباتها كامة حيال عائلتها ومنحتهم كل شيء على أكمل الوجه والآن انصرف كل منهم ليتابع حياته الا أنها تجد أنها ما تزال تملك رغبة كبيرة في العمل والعطاء وخدمة الناس.
وهو الأمر الذي جعلها تفرغ نفسها تماماً للعمل التطوعي والجمعيات الخيرية حيث تعمل خديجة على مساعدة الأشخاص الذين بحاجة الى المساعدة والعطاء الذي تمتلكه، مبينةً أنها قضت حتى الآن أربع سنوات في العمل التطوعي وكل يوم تتعلق به أكثر وتشعر بأنها تقوم بعمل واجبها اتجاه الناس والمجتمع ولديها قدرة كبيرة على العطاء أكثر.
تقول خديجة “شعور جميل جدا أن يعود الشخص إلى بيته بعد يوم طويل يكون قد أنجز فيه وعمل فيه شيء لخدمة المجتمع والناس المحتاجة ولوجه الله تعالى”، منوهة إلى أن هذا التغيير في حياتها جعلها تنام وضميرها مرتاح ووقتها ثمين تشغله في عمل الخير.
وفي هذا السياق يرى الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي أن مرحلة ما بعد الانتهاء من تربية الأبناء “هو سن العطاء والاندماج الاجتماعي وليس سن التقاعد”.
ويشير الى أن تلبية الحاجات الاجتماعية والتقرب من الناس والتواصل معهم “من أكثر الحاجات في هذا السن”، لافتا الى أنه قمة العطاء والطموح والنشاط.
ويضيف الخزاعي الى أن هذا التحدي كبير وينعكس على المجتمع بإيجابية كون ذلك يعتبر “احتياجا وليس رفاهية للأشخاص في مثل هذا العمر”.
من جانبه يبين الاختصاصي النفسي التربوي د. موسى مطر أن سبب إقدام النساء على التعلم أو العمل التطوعي او ممارسة هواية ما بعد سنوات من الانقطاع،  شعورهن بنوع من الرتابة والملل في حياتهن بعدما كانت منشغلة طوال وقتها مع أولادها وعائلتها، فبمجرد تحللها من هذه المسؤوليات الاجتماعية باتت تشعر بفراغ كبير كونها كانت في دائرة مغلقة مقتصرة على عائلتها.
ويشير الى أنها باتت بحاجة الى أن تخرج من هذا الاطار فلجأت لشيء جديد تبرز من خلاله قدراتها، واصفا هذا النوع من الشخصيات 
بـ“المتفائلة التي تستطيع أن تحدث تغييرا وتخرج نفسها من حالة الملل التي كانت قد تسبب لها اكتئابا فيما بعد”.
غير أن مطر يرى بأنه “لا يجب أن تكون هذه النقلة من أجل املاء الفراغ فقط كونها ستعود له بعد أن تنتهي منه”، لافتا إلى أنه “لا بد من أن تكون قد بدأت بناء خطة حياتية جديدة كون ذلك سيؤثر عليها بعد ذلك ويريح جهازها العصبي ويعطيها حالة من النشاط والعطاء”.

التعليقات معطلة