Pdf copy 1

    فيليب ستيفنز  
تعتقد مارين لوبان أن اللغة الحذرة هي الطريق إلى السلطة. جان ماري لوبان، سلفها في زعامة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا، يشعر بالقلق من أن شغف ابنته بالمنصب سيُخفف من الكراهية العنيفة للأجانب لدى الحزب الذي شارك في تأسيسه. يقول أصدقائي في باريس إن كلاهما مُحق. بدأت فرنسا تتصوّر لوبان رئيسة للجمهورية، رغم ما ينطوي عليه ذلك من صدمة بالنسبة للغرباء.
الحكومات في أنحاء القارة كافة تشعر بالقلق من أن فوز حزب سيريزا اليساري الشعبوي في اليونان يمكن أن يعمل على إثارة أزمة أخرى في منطقة اليورو. وأغلب ظني أن المخاوف المباشرة مبالغ فيها، مع أن مستقبل اليورو طويل الأجل في مساره الحالي يعد بعيدا تماما عن كونه مضموناً. لا بأس. إذا كان الرد العنيف الحالي ضد سياسة التقشف في اليونان يمكن أن يهزّ الاتحاد الأوروبي، فإن زيادة نفوذ حزب الجبهة الوطنية في فرنسا من شأنه بالتأكيد تفكيك الاتحاد المكون من 28 عضواً.
الهجمات الإرهابية على مجلة “تشارلي إبدو” أدت إلى اندفاع في مشاعر الوحدة الوطنية. الجانب المتفائل مني يقول إن هذه الأجواء قد تدوم. اثنان من أبطال الغضب – أحدهما ضابط شرطة مقتول، والآخر عامل في متجر يهودي للمواد الغذائية – كانا مسلمين. لقد تم منح فرانسوا هولاند فرصة لإنقاذ رئاسته المريضة. وقد وعد مانويل فالس بأن التدابير اللازمة لتشديد الأمن ضد المتطرفين الإسلاميين سيُصاحبها إجراءات لإنهاء الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي لكثير من السكان المسلمين في فرنسا – التمييز العنصري، هو التعبير الذي يستخدمه رئيس الوزراء الفرنسي. السياسيّة التي تشوّه مثل هذا التفاؤل هي مارين لوبان. فبعد أن تم إبعادها، بحق، عن مظاهرات التضامن، قد تكون الزعيمة التي تستفيد أكثر من عمليات القتل.
في أنحاء أوروبا كافة، صاغ زعماء الأحزاب اليمينية الشعبوية خطابا يضع الأقليات المسلمة جنباً إلى جنب مع الرأسمالية الليبرالية، والاتحاد الأوروبي، والنخبة السياسية، بوصفهم أعداء للشعب. وحققت مارين لوبان انتصارات كبيرة في الانتخابات المحلية والأوروبية. وتُشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أنها يمكن أن تفوز في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.
ما يُحيّرني هو القدَرِية ـ بعضهم ربما يقول التهاون ـ في نشأة مثل هذا الاحتمال بين قطاعات كبيرة من الطبقة السياسية في فرنسا. إذا سألت كبار الشخصيات من يمين الوسط أو اليسار الاشتراكي ما إذا كان الإصرار على كراهية الأجانب من حزب الجبهة الوطنية مكروها أخلاقياً، فسيكون الجواب نعم. لكن العلامات التي تستعد مارين لوبان للاستفادة منها، وهي عدم شعبية هولاند والفوضى بين المحافظين، تم استقبالها بصورة تشبه التسليم بالأمر الواقع.قبل بضعة أيام، جلست في تجمّع للنخبة الفرنسية في باريس. كان حزب الجبهة الوطنية واضحاً في غيابه، لكن حاضراً في جميع النقاشات تقريباً. نعم، قال الإجماع غير الرسمي، إن مارين لوبان قد تصل بالفعل إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. ونعم، إذا واجهت هولاند في جولة الإعادة، فإن مؤيدي الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ربما يقررون تماماً أن يتنازلوا لها. وبالعكس، إذا فشل هولاند عند أول عقبة، فإن عديدا من اليسار قد يفضلون منح أصواتهم إلى لوبان بدلاً من دعم ساركوزي المكروه (من قِبل الاشتراكيين).الأمر الذي أذهلني بشأن هذه النقاشات كان غياب الغضب والسخط. ربما أكون قد أخطأت في قراءة ذلك، لكن الأجواء السائدة كانت “ماذا يمكنك أن تفعل؟” الاقتصاد غارق في الركود، ومعدل البطالة مرتفع بثبات، وهولاند سيعاني في سبيل العودة مرة أخرى، وعودة ساركوزي تفتح جروحا عميقة داخل يمين الوسط.
يواصل أصحاب هذه الرواية القول إن آمال لوبان في الفوز قد تتطلب منها أن تتحرك أكثر ضمن التيار السياسي السائد. زعيمة حزب الجبهة الوطنية، كما سمعت، عدلت بالفعل معارضتها لعضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي، لتركيز معارضتها القوية ضد اليورو. كذلك تخلّت عن العنصرية العلنية ومعادة جيل والدها من أنصار حزب الجبهة الوطنية للسامية. ينبغي أن نتذكر جميعاً أن لوبان الأب أشار إلى المحرقة على أنها “تفصيل” من التاريخ. لكن ابنته تفضّل إثارة المخاوف من أن فرنسا يجتاحها المسلمون. لقد كان غوغائيا مصرا على غوغائيته؛ بينما هي تختار كلماتها بعناية.
لكن هذا التليين لصورة الحزب بالكاد يُخفي الطابع الأساسي لحزب مارين لوبان. فالتحيّز العِرقي يتدفق من خلال تصريحاته كافة. ويُعتقد أن التحذيرات بشأن “الأسلمة” محسوبة لإيجاد بيئة متساهلة لأنصاره العدوانيين، وزرع الخوف في عقول الناخبين ذوي الدخل المنخفض، والعاطلين عن العمل الذين تحمّلوا وطأة الفشل الاقتصادي. ومارين لوبان ليست في حاجة إلى مهاجمة المسلمين بشكل مباشر. بإمكانها إثارة تساؤلات حول “اختلافهم” وحول ما إذا كان الإسلام والجمهورية العِلمانية يمكن أصلا أن يتعايشا بصورة مريحة. تماماً كما عملت معادة السامية في عهد والدها على التشكيك في ولاء اليهود، تثير مارين لوبان الشكوك حول ولاء المسلمين. العدو، مع القومية البشعة التي تعرفها أوروبا بشكل جيد كما في أي وقت مضى، هو الغريب.
بيان حزب الجبهة الوطنية التمهيدي الذي يتضمن الحمائية الجريئة وسيطرة الدولة على الصناعات الكبيرة، يتعارض مع كل ما كان يعنيه الإيمان بالاتحاد الأوروبي منذ المصالحة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. يسعى الحزب لاستبدال أوروبا التي في النصف الأول من القرن العشرين بأوروبا التي في النصف الثاني. وهدفه هو الديمقراطية الليبرالية التي جلبت لنا السلام.
أما الذين يهزون أكتافهم اليوم من باب التسليم بالأمر الواقع على حق حين يقولون لا يوجد حل سحري. لكن هذا لا يعد سببا للاستسلام. إن نجاح الشعبوية هو فشل للتيار السياسي السائد. تستطيع لوبان أن تزدهر فقط طالما أخفق هولاند وساركوزي والبقية في تقديم بديل موثوق.

التعليقات معطلة