Pdf copy 1

   جيليان تيت
هذا الأسبوع، كان بوريس جونسون، عمدة لندن، يُثير حوله الاهتمام في نيويورك. لكن ليس لأنه يروج لأفكاره عن أوروبا، أو حزب المحافظين، أو ونستون تشرشل؛ موضوع كتابه الأخير.
بدلاً من ذلك، يروج جونسون للنسخة الإلكترونية من “بيع الماء في حارة السقايين”: بمعنى أنه يخبر أصحاب مشاريع التكنولوجيا الأمريكيين أن لندن هي مكان رائع للعمل والاستثمار. لا عليك من وادي السليكون أو دامبو Dumbo (الأحرف الأولى من عبارة تعني “أسفل الجسر العلوي في مانهاتن”) في نيويورك، أصحاب المشاريع والمستثمرين في الولايات المتحدة ينبغي أن يتجهوا إلى شورديتش وبورنماوث ـ أو هكذا تقول حملة المبيعات التي يروج لها العمدة.
إنها تبدو مهمة دونكشوتية، لكنها مع ذلك جديرة بالوقوف عندها على الأقل لسببين. الأول، أنها تقدّم تذكرة مفيدة حول كيف يمكن أن تتغير الموضات في الاقتصاد السياسي. قبل عقد أو أكثر من الزمن، عندما حاولت بعثات التجارة البريطانية “ترويج” لندن في نيويورك، تحدّثوا عن المصارف أكثر مما تحدثوا عن بيانات الكمبيوتر. في ذلك الحين، أشخاص مثل إيد بولز، عندما كان وزيرا للمالية، كانوا حرصاء على تمجيد لمسة لندن الخفيفة، التنظيم “القائم على المبادئ” باعتباره ميزة تنافسية على نيويورك.
في هذه الأيام، لا يوجد سياسي بريطاني يريد التحدّث كثيراً عن المصارف، أو الإشارة إلى نظام رقابي بلمسة خفيفة كأنه إغراء. ذكريات أزمة عام 2008 مؤلمة جداً. بدلاً من ذلك الرسالة المناسبة للسياسيين هي تمجيد مشهد الشركات الناشئة الرقمية. تلك الشركات غالباً ما تكون صغيرة وتوفر عددا قليلا نسبياً من الوظائف، على الرغم من أن الصورة التكنولوجية الأكبر جيدة ـ يشير تقرير لهذا الشهر إلى أن صناعة التكنولوجيا في لندن توظف أكثر من 250 ألف شخص (مقابل نحو 350 ألف في شخص في الخدمات المالية في الحي المالي). هذا أمر مُبهج.
السبب الآخر لكون زيارة جونسون مثيرة للاهتمام هو أنها تُظهر بغير قصد التشوهات التي لا تزال تُطارد العالم المالي. بطريقة ما – كما أشار فريق التجارة البريطاني – تملك لندن سمات جذّابة لأصحاب المشاريع. مثلا، هي مركز دولي بحق والحكومة (متأخرة) تحاول جعل نظام التأشيرات أكثر ليبرالية. هذا الأسبوع أخبر مسؤولون بريطانيون بعض سكان نيويورك أنهم سيوفرون بعض التأشيرات لموظفي الشركات الناشئة الرقمية ووعدوا بتسريع الطلبات الأخرى. وتكاليف العمالة البريطانية، مثلاً، أقل من تلك التي في سان فرانسيسكو، وهناك ابتكار علمي ينتشر بوفرة في المناطق خارج لندن. والمواقف الثقافية نحو ريادة الأعمال تُصبح أكثر ترحيباً. كذلك تجمعات التكنولوجيا بدأت تظهر.
لكن الأمر الذي يُثير السخرية، كما هو في الأغلب خارج الولايات المتحدة، هو النقود. إذا نظرت إلى البيانات الخام بشكل معزول، فإن المسار يبدو مُبهجاً. في العام الماضي تم استثمار ما يساوي 1.4 مليار دولار من التمويل الجديد في المشاريع الرقمية في لندن، في حين أن 2.1 مليار دولار تم استثمارها في أنحاء المملكة المتحدة ككل. هذا يُعتبر ضعف المستوى الذي كان عليه في عام 2013 – والأمر المُثير للاهتمام، أنه أعلى بواقع خمسة أضعاف ما كان قبل خمسة أعوام.
نصف تلك الأموال تم تزويدها من شركات رأس المال المغامر الأمريكية، مثل أكسيل بارتنرز ويونيون سكوير كابيتال. مثلا، شركة أندرسن هورويتز الكائنة في وادي السليكون، ضخت أخيرا 58 مليون دولار في شركة تكنولوجيا مالية تسمى ترانسفيروايز. في الواقع، الاستثمار الأجنبي المباشر في لندن يرتفع الآن أسرع مما هو في برلين ونيويورك، وفقاً لجيرارد جريتش، الرئيس التنفيذي لشركة تيك سيتي البريطانية.
لكن المبالغ تبقى متواضعة مقارنة بالولايات المتحدة. منذ عام 2012 استثمرت شركات رأس المال المغامر الأمريكية نحو 70 مليار دولار في وادي السليكون و160 مليار دولار بشكل عام، وفقاً للرابطة الوطنية لرأس المال المغامر. وفي العام الماضي، ذهبت عدة مليارات من هذه المبالغ إلى نيويورك.
القضية الحقيقية بالنسبة لشركات التكنولوجيا في لندن لا تتعلق كثيراً بإيجاد رأس المال التأسيسي، بل التمويل لتمكين الشركات الناجحة من الارتقاء. ليس باستطاعة الشركات القائمة في لندن سوى أن تحلُم بالحصول حتى على جزء صغير من القوة المالية من النوع الذي تملكه شركة مثل أوبر.بالطبع، إذا كنت من النوع المتفائل – كما هو جونسون النشط بلا شك – بإمكانك القول إن هذه التغيير سيأتي. المشهد التكنولوجي في وادي السليكون مزدحم جداً الآن ويتم المبالغة في تقييمه، حيث إن هناك رغبة متنامية بين المستثمرين في الولايات المتحدة في البحث في الخارج. كذلك المستثمرون الأوروبيون في حاجة ماسة إلى أماكن ذات إنتاجية لوضع نقودهم فيها؛ علينا ألا ننسى أنهم في أوروبا، حيث تحقق سندات بقيمة تريليوني دولار عوائد سلبية. المصارف في القارة حريصة أيضاً على ركوب الموجة والاستفادة منها.
لكن حقيقة أن نصف أموال الشركات الناشئة التي جُمعت في عام 2014 كانت من أمريكا، وليس أوروبا، تُظهر التحدّي. الممولون في لندن هم أفضل من حيث تصميم تداولات المشتقات المعقدة وليس تنظيم طريقة معقولة لتمويل أصحاب المشاريع بالحجم المطلوب. إذا كانت مهمة جونسون إلى نيويورك ستُساعد على تغيير هذا، فإنه يستحق هتافا قويا. لكنه سيكون جهدا كبيرا.

التعليقات معطلة