التحليل السياسي /غانم عريبي
تربطنا بالثورة الاسلامية في ايران علاقة تاريخية وعلى مذبح تلك العلاقة قدمنا عشرات الالاف من القرابين فداءً للامام الخميني وثورته ومشروعه الاخلاقي والشيعي والاممي والسياسي الاسلامي ولم يقدم شعب عربي او مسلم في الدنيا مثل ماقدم العراقيون على هذا النهج لايماننا ان الامام والثورة وحلم اقامة الدولة الاسلامية هي القواعد المحورية التي نستلهم منها استعادة الاسلام واحكامه وحضارته القيمية الغابرة.
ستبقى الثورة الاسلامية في نفس كل داعية للاسلام ومحب للثورة والامام الخميني مثل الشيوعية في نفس كل شيوعي او ماركسي ضميرا حيا ومشروعا قابلا للتالق والابداع والتنوع والغنى ومصدرا من مصادر الاستلهام الانساني وسيبقى الامام الخميني الشخصية الرسولية الاكثر اشراقا وقدسية واحتراما واستلهاما في دنيا الحركة الاسلامية.
لقد عشت جانبا مهما من تجربة الثورة في طهران وفي سنوات الجمر والحرب والحصار الدولي والغربي عليها ورأيت مستوى الوعي الوطني عند الايرانيين وهم يقفون الى جانب قيادتهم ويتصدون لاعتى حرب فرضتها القوى الكبرى بواسطة صدام حسين ورأيت كيف يتجاوز الايرانيون ازمة احتلال الاراضي الايرانية بظاهرة التعبئة الشعبية والحرس الثوري فما اشبه الليلة بالبارحة بين التجربتين العراقية والايرانية حيث يصنع العراقيون بالحشد الشعبي ماصنعه الايرانيون في التصدي للظاهرة الداعشية البعثية الاولى عام 1980.
رأيت المجاهدين العراقيين وهم يقفون الى جانب الثورة والامام والقيادة الاسلامية ممثلة بالخامنئي ورفسنجاني والشهيدين رجائي وباهنر وعلى قلتنا كنا نقدم الشهداء في جبهات القتال وتركنا اكثر من شهيد في الارض الحرام ولم ندفن الكثير من شهدائنا كما دفنا عشرات بل مئات الشهداء في قم ومشهد ومدينة الاهواز الايرانية.
كنا نقاتل اهلنا من اجل الثورة ونواجه ابناء عمومتنا في سبيل القيم الفكرية والروحية ومنظومة الاسس الاسلامية التي تجسدت بالحدث الاسلامي الايراني والعودة التاريخية للامام من نوفل لوشاتو الى طهران وقد هبط في مطار مهراباد وكانه يهبط من السماء ولم نكن نبالي ان وقعنا على الموت او وقع علينا اذ امام حدث الثورة وجلالة قدرها ومعيارها القيمي الكبير كنا نرى الكون كونا اخر والقيم قيما اخرى وكنا والامام في خندق واحد.
ان الامام الخميني هو الذي كرس في نفوسنا القتال من اجل الوطن والسيادة الوطنية والاصرار على اسقاط الدكتاتورية من اجل اقامة حكم الاسلام في العراق ليس من اجل ان يكون العراق جارية لطهران او حديقة خلفية للمصالح الايرانية بل من اجل استعادة الدور المحوري للعراق في المنطقة العربية بالتكامل مع بقية حركات التحرر والدول الحرة المستقلة لاداء الدور المأمول له في المسألة العربية والدولية والاقليمية تماما كما كان يدعو الى التظاهر من اجل يوم القدس العالمي في اخر جمعة من رمضان المبارك وهي عملية او خطوة لايستهدف الامام منها نقل القدس الى طهران بل تحرير القدس وعودة النازحين الفلسطينيين واللاجئين اليها.
ان عظمة الثورة تكمن في عظمة الشخصية المحورية والاستراتيجية التي تقف خلفها، والامام الخميني كان الرجل الذي استاهل منا الاف الشهداء والتضحية بكل شيء من اجل المشروع والرؤية والرسالة التي نسجها بابداننا وارواحنا كما نسج النساج عباءته الحسينية العلوية ووطأ بها ايوان كسرى في اعتى قصور الشاه وفضل بهذه العباءة ان يعيش في بيت كان يدفع اجاره الشهري بحسينية في جمران.
من غير المنطقي بعد ذلك ان ينبري مستشار رئيس الجمهورية في ايران السيد علي يونسي ويتحدث بلغة غريبة يصنف فيها بغداد بوصفها مدينة ايرانية في تدخل يرفضه الامام والثورة والقيادات الثورية العاقلة في نظام الجمهورية.
هكذا استنكرت الخارجية العراقية التي يقودها الوزير ابراهيم الجعفري كلام المستشار الايراني وعدت الامر تدخلا واضحا في الشؤون الداخلية العراقية وهو ما لم تسمح به المعايير الدستورية العراقية لان العراق بلد يتمتع بسيادته الكاملة على اراضيه والقول بالمثل يؤذي الذائقة السياسية والمزاج الوطني الشعبي في طهران.
من الذي ورط علي يونسي ودفعه الى التصريح الانف مع ان الرجل يعرف ان الشيخ حسن روحاني رجل استراتيجي ويفهم في الدولة والادارة والاصول الدولية ويفهم المسألة العراقية وبيئتها السياسية والفكرية والتحولات التي تجري فيها وحولها مع انني واثق ان خطأ ما حصل ودفع الرجل الى هذا التصريح وهي رسالة موجهة الى الاخوة في ايران الى ضرورة توخي الدقة خصوصا في هذه المرحلة في اطلاق التصريحات!.
يونسي واخرون في السياسة الايرانية يعرفون حماسة العراقيين في الذود عن بلدهم وانا اعجب فعلا من تصريح الرجل في وقت يتاهب العراقيون وحشدهم الشعبي بالانتصارات التي تحققت في مختلف قواطع جبهة القتال ضد داعش الدخول الى تكريت وتحرير الموصل وبقية المناطق العراقية المغتصبة اذ لااحد ينكر تلك الحماسة وحب العراقيين لبلدهم واصرارهم على رفع العلم العراقي على كل منطقة وقرية ورابية يحررونها فكيف يقبلون ليونسي تحويل العراق الى عاصمة ايرانية؟!.
ان ما يحكمنا مع ايران اصرارنا على بناء النظام الوطني العادل في العراق كما قاتلنا الى جانب الثورة الاسلامية من اجل استكمال مسيرة الامام التي بدأها بالثورة على الشاه لبناء النظام الاسلامي وتحويل طهران قبلة للمحرومين والمستضعفين والاحرار والثوار في العالم.
الامام هو الذي الهمنا العلاقة الموضوعية بالسيادة الوطنية وان يكون بلدنا قويا ومتماسكا وقادرا على مواجهة كافة التحديات والازمات والمشاكل السياسية والاقتصادية والامنية ويحقق الانجاز الاعظم عبر بناء تجربته الوطنية.
على يونسي ان يدرك ان الثورة الاسلامية ثورتنا والتجربة الاسلامية تجربتنا والعراق اول الشعوب التي قدمت الغالي والنفيس من اجلها وليس من اللائق تخريب العلاقة بتصريح غريب لاعلاقة له بالتصريحات!.
لقد قاتل الامام الخميني دكتاتورية صدام والبعث القومي في العراق من اجل دعم المعارضة العراقية بتخليص بغداد من عهد الجواري الى عصر السيدات المحترمات وفعل كل ماباستطاعته وتجرع السم حين وقع على قرار انهاء الحرب العراقية الايرانية وليس من المنطقي ان يعود نفس النظام الذي رباه الامام الخميني على احترام سيادات الدول المستقلة الى الاساءة المقصودة بتصريحات تمس سيادة وكرامة التجارب العظيمة في الدنيا مثل التجربة العراقية.

