عائشة سلطان
في تحليلنا للحالة الوحشية التي يتبعها “داعش” في اثبات وجوده وتثبيت أقدامه على أرض الخلافة التي يدعيها في الشام والعراق ،تبدو جملة ملاحظات يقدمها لنا السياق التاريخي لسيرورة الحضارة الانسانية التي كما شهدت مراحل تنوير ونهضة فإنها شهدت مراحل ظلام وانحطاط لا يمكن تصور فجائعيتها، أول هذه الملاحظات هي أنه لم يخل تاريخ الانسانية يوما من متوحشين وبرابرة ظهروا كجماعات متطرفة أو كعصابات غازية، كانوا في حقيقتهم همجيين لا يجيدون التفاهم بغير السكاكين والسيوف وسياسة “اقتل وأهرب ولا تستمع لغير شهوة الدم “هكذا كان برابرة القبائل الأوروبية، المغول والتتار، جماعة الاغتيالات السياسية “عصابة حسن بن الصباح صاحب “قلعة آلموت” وفرقة الحشاشين، قوى الاحتلال الاوربي البشع ،محاكم التفتيش في اسبانيا ،حروب التطهير العرقي التي شنها الصليبيون على مسلمي الاندلس وشمال افريقيا، حروب الابادة التي شنها الرجل الأبيض على حضارات الآزتك والأنكا …هؤلاء لم يكونوا أقل وحشية عن ما يفعله جنود تنظيم داعش ،وأن كان منظرو هذا التنظيم يدعون أنهم يتكؤون على منطلقات وتفسيرات دينية من سير الخلفاء والصحابة ، ألا أن تصديق هذه التفسيرات ليس سوى تشويه ممنهج للإسلام السمح والعظيم .
ثاني الملاحظات هي أن هذه الوحشية المتمثلة في قطع الرؤوس وبتر الاطراف والقتل الجماعي والتفجيرات والتهب والسرقات والترويع واغتصاب النساء وسبيهن وبيعهن كرقيق كما حدث مع جماعة الأيزيديين ، ليس سوى استراتيجية ثابتة تضمن لهؤلاء التمدد ومن ثم البقاء أو احتلال الفراغ الموجود على الأرض ،حيث تعتمد داعش شعار “باقية وتتمدد ” فبماذا ستتمدد؟ بالترويع، فبالترويع تخلى الناس عن دينهم زمن محاكم التفتيش وبالترويع قضى الرجل الأبيض على قبائل بلا حصر من سكان امريكا الأصليين، وبه تمكنوا من الاستيلاء على الأرض وإلغاء اصحابها وفرض سياسة الأمر الواقع وبشكل نهائي ، ولهذا يصر “داعش على عدم تفويت أي فرصة لبث المزيد من الرعب في نفوس الناس ،وإبراز جنوده بشكل بالغ القوة والهيبة والوحشية ، لمضاعفة حالة الخوف في نفوس المشاهد ، وهو حين يصنع هذه الافلام التي تبث من خلالها الرعب فأنه يعلم سلفا أن ملايين المشاهدين سوف يبحلقون في التفاصيل وسوف يرتجفون ويتقيؤون ولن يناموا ليلتهم تلك وهم يتخيلون جنود داعش المتوحشون يطرقون أبوابهم في أية لحظة !

