Pdf copy 1

جمال جاسم أمين
نتحدث عن التعليم غالبا بوصفه تدرجا في سلم الابجدية، القراءة والكتابة اولا ثم الحساب وما يعقب ذلك من مبادئ العلوم او ما كنا نطلق عليه (الحياتية) و ننسى ان مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي لا تقل اهمية عن كل هذا، ففي رياض الاطفال تتشكل الدهشة الاولى للطفل، التلميذ، عندما يبدأ بأول تجربة له مع العالم المحيط / الآخر خارج حاضنة الام او البيت، هنا تنشأ الحاجة الى المعلم المربي، المعلم الذي يعرف الكثير عن ثقافة الطفل وربما يقف البعض طويلا امام تعبيرنا (ثقافة طفل) معتقدا ان هذا الطفل لا يحتاج سوى تلبية وظائفه الغريزية لا غير كي ينمو اما حاجته لثقافة ما او كونه هو يمتلك ثقافة فهو من نافل القول كما يقال.
 ثقافة الطفل هي نوع ادراكه للعالم، حاجته للدخول في علاقة سليمة مع الاشياء، تهجي المشاهد بحواس يقظة، اتساع حلمه بالقادم، نوع علاقته مع الاقران، وعلى اساس هذه المفردات ستتشكل شخصيته القادمة بل ان نوع هذه الشخصية قد يتأثر كليا بمرحلة التأسيس هذه، ولذا فإننا نجد الدول والمنظمات العالمية تضع البرامج تلو البرامج لتحصين الطفولة من العنف والاجراءات القسرية اللاانسانية كي لا نحصد التشوهات بعد عقد او عقدين من الزمن، يكبر المرء وقد ينسى اغلب ما يعيشه الا الطفولة فهي رؤاه الاولى، وقاعدة التأسيس التي انبنى عليها كيانه تظل عالقة في مخيلته وذاكرته.
 الذاكرة عموما لها دور في توجهات مزاج الانسان والانسان كما نعرف جميعا مولع بالتذكر. احيانا تشعر ان مثل هذا الامر يخرج عن ارادتك، هناك شيء يمكن ان نطلق عليه الحنين الى الماضي وماضي الطفولة هو الذكرى الاثيرة التي تمد الانسان بطاقات شتى من بينها الابداع بأنواعه ادبيا او فنيا او علميا تقنيا وقد عبر الشاعر الفرنسي بودلير عن هذا المعنى بقوله (العبقرية هي الطفولة المستعادة قصدا).
اليوم تحدث في العراق مشاهدات عنفية عديدة سواء على مستوى الشارع او الإعلام الذي يبث مشاهد حروب مروعة او الالعاب العنفية التي تملأ اسواقنا، في ظل كل هذا ينهض التفكير جديا بوسائل حماية الطفولة من لوثة العنف التي تسود. لنتصورْ مثلا كيف سيكون مستقبل الاطفال الذين تشكل هذه المشاهد مادة مخيلتهم؟ كيف سيسترجعونها ذكرى؟ ما اثرها على سلوكهم العام؟ وبالتالي ينبغي ان نسأل ايضا: ما هي المضادات النفسية التي ينبغي ان نحصن بها اطفالنا كي لا يقعوا ضحية تشوهات من هذا القبيل؟.
 اظن ان مراحل التعليم الاولى، الابتدائي وقبله رياض الاطفال هي المفصل الاهم على صعيد التربية والتحصين، وهي ورشة عمل التربويين والناشطين الثقافيين الذين يدركون فداحة هذا الامر. 
ينبغي التعامل مع الطفولة على انها ثروة بشرية قد تتعرض للهدر في حال اهمالها بل هي اهم ثروة على الاطلاق، ومن وسائل التحصين ايضا المنشورات الملونة التي انحسر ظلها عن واقع طفولتنا اليوم، والانشطة الاجتماعية التي تخلق طفلا ايجابيا متفاعلا مع محيطه، والرعاية الصحية اللائقة التي تحميه من العوق الجسدي والنفسي معا، كل هذا يحتاج الى برامج عملية متخصصة تأخذ بنظر الاعتبار اهمية الموضوع. هناك مشاهد اخطر على هذا الصعيد لعل ابرزها عمالة الاطفال واستغلالهم تحت ظل ظروف لاانسانية بدافع الفقر والعوز الذي تعيشه عوائلهم مما يحدو بها الى اطلاقهم عشوائيا بحثا عن الرزق وفي الغالب يحرمون من التعليم وهو حق اساسي ينبغي ان يضمن للجميع دون تمييز، اذن هكذا تتداخل الاسباب لتفرز نتائج مروعة تحتاج الى حزمة حلول ومتابعات جادة، وعلى الرغم من حراجة الظروف التي نعيشها الا اننا ينبغي ان نؤمن جميعا بأن صورة المستقبل تبدأ بالطفل وأن اشتغالنا على تحسين هذه الصورة يعكس وعينا بأهمية المصير الذي ينتظرنا جميعا.

التعليقات معطلة