أحمد المهري
كلما تعرض العراق لعدوان سافر. الفقير يهاجر والغني يغادر. كانت صدمة مفزعة لنا عندما قرأنا توقعات وزارة التخطيط العراقية عن ارتفاع معدلات الفقر بين العراقيين إلى أكثر من 30% في غضون الأشهر الثلاثة الماضية بعد موجة النزوح والتهجير القسري في عدد من المحافظات، فيما رجحت انخفاض تلك النسبة في حال استقرار الوضع الأمني. وقال المتحدث (الهنداوي) باسم وزارة التخطيط: (إن موجة النزوح الأخيرة لعدد من المحافظات، والتي كان آخرها نزوح مواطني محافظة الأنبار، سيزيد من معدلات الفقر في العراق إلى نسبة تزيد على ما سجلته الإحصاءات نهاية العام الماضي). يبدو أن الفقر يواصل فتكه بفقراء شعبنا عاماً تلو الآخر، ليصبح أكثر فتكا بسكان المناطق التي عبثت بها معول الإرهاب، وهو ما دفع وزارة التخطيط إلى التحذير من تفاقم مؤشرات الفقر المدقع، لكننا في حقيقة الأمر ننزعج كثيرا من سماع هذه الأخبار المؤسفة، ونرى أن الفقر والجوع اشد خطراً من إرهاب الدواعش، وأن تحسين معيشة الأسر المنكوبة يقتضي الاهتمام بها ورفع مواردها المالية، فبعيداً عن صخب الفضائيات وتضليلها الإعلامي المتواصل. تبقى حقيقة واحدة، أن هناك عراقيين يموتون من الجوع، ويبحثون في صناديق القمامة عن كسرة خبز تخمد صراخ بطونهم الخاوية. هناك شريحة من أبناء جلدتنا يعيشون بيننا ولا ندرى عنهم شيئا، وهناك موازين مختلة في هذا الوطن، وأولويات مقلوبة تجعلنا نطارد سارق أرغفة الخبز ليسد جوعه، بينما يرفل برامكة العصر في واحات البذخ والثراء. يفلت هؤلاء ويسقط الفقراء، وينطبق علينا قول سيد الحكماء: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). نحن نواجه أخطاراً أشد فتكاً من الإرهاب وأشد ضراوة من أي مؤامرات أخرى، فالفقر والجوع قنابل موقوتة، نحن نشدّ فتيلها كل يوم حتى تنفجر علينا، لن يطلب الناس مزيدا من المطالب السياسية، ولن تطعمهم الشعارات الوطنية، ولن تستطيع أبواق الإعلام المضلل أن تربط على بطونهم الخاوية، التي تصرخ طلباً للقمة عيش لا يجدونها، أو طلباً لملاذ آمن في العراء. ربما يظن البعض أن الملف الأمني يجب أن يكون من أولويات الدولة، وهذا خطأ استراتيجي، فهناك ملفات تسبق هذا الملف، وفي مقدمتها إعلان الحرب على الفقر والأمية، والقضاء على البطالة، ورعاية الأسر المتضررة، ولابد لنا من الإسراع بتوفير مستلزمات الأمن للعاملين في المجال الإنساني، وتعزيز قوة فرق الإنقاذ التي لا يتعذر عليها الوصول إلى المناطق المحفوفة بالمخاطر، والتي تشكّل عائقاً رئيسياً أمام إيصال المساعدات الإنسانية، فقد أدت العمليات الإرهابية على مدى العام الماضي إلى عرقلة العمليات الإنسانية في القرى العراقية الواقعة في قلب الأحداث المميتة. والتي لا تزال تعاني من مستويات مرتفعة للغاية في احتياجاتها الإنسانية.
هناك عوامل كثيرة دفعت الناس للهجرة نحو المناطق الآمنة، تمثلت بفقدان الأمن والأمان، وفقدان فرص العمل، وعدم توفر الموارد في مناطقهم الأصلية، وضغوطات الحياة المعيشية، وغياب الخدمات الصحية والتعليمية والمدنية. ختاما نقول: لقد توحدت صفوف أبناء الشعب العراقي بوقفتهم الوطنية النبيلة، المعبرة عن أسمى درجات تلاحمهم في الأزمات، حينما فتحوا بيوتهم وقلوبهم لاستقبال النازحين من أشقائهم، غير عابئين بكل الحواجز الطائفية التي خلقها زعماء السيرك السياسي. فالشعب العراقي يمثل وحدة واحدة لا تقبل التجزئة ولا التفرقة، ولا تقبل التراجع أمام كلاب الإرهاب والخراب.

