Pdf copy 1

      جون جابر 
 
«دويتشه بانك» هو المنافس الأخير من الوزن الثقيل. ففي حين إن المصارف الاستثمارية الأوروبية الأخرى – من بينها باركليز ويو بي إس وكريدي سويس – تراجعت إلى الخدمات المصرفية للأفراد والخاصة، وسط استياء المساهمين وأزمة التنظيم، «دويتشه» يفعل العكس. إنه يريد أن يصبح أقرب إلى مثال «جولدمان ساكس»، وليس أقل من ذلك.
قال أنتوني جنكينز، الرئيس التنفيذي لـ «باركليز»، الشهر الماضي «أنا لست شخصا صبورا جدا»، ملمحا إلى أن النتائج الباهتة في المصرف الاستثماري التابع له قد تدفعه إلى التخلص منه. «دويتشه» هو الصبور. وعلى الرغم من الاضطرابات والنكسات والشك في سوقه المحلية المحافظة، تمكن من تنمية مصرف الاستثمار التابع له على مدى ثلاثة عقود، منذ شرائه «مورجان جرينفيل» في عام 1989.
يسرني قيام «دويتشه» بذلك، وأنه لا يزال يريد التنافس مع ما كان يطلق عليه يوما «شريحة انتفاخ» – المصارف وشركات الوساطة التي يقودها «جولدمان ساكس» و»مورجان ستانلي». أوروبا تحتاج إلى بطل واحد على الأقل في شكل مصرف استثماري عالمي. ودون وجود واحد، تبقى في خطر الاتكاء كثيرا على «وول ستريت» لتشكيل وتشغيل أسواق رأس المال التي تتطلبها شركاتها – الكبيرة والصغيرة.
لقد شهدنا تجاوزات في التداولات المالية، كما شهدنا الأجهزة التنظيمية تشدد القوانين. إنهم على حق، لكن أحد التأثيرات هو تعزيز الهيمنة الأمريكية. وحذر جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لمصرف جيه بي مورجان تشيس، هذا الشهر من أنه «إذا لم يتم ذلك من قبل مؤسسة مالية أمريكية كبيرة، فسيتم من قبل مؤسسة مالية غير أمريكية كبيرة». الخطر الحقيقي هو العكس.
ووفقا لطومسون رويترز، المصارف الخمسة التي حققت أكبر عائد من رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية، مثل ضمان الأسهم، في الربع الأول كانت جميعها أمريكية – جيه بي مورجان تشيس، وجولدمان، وبانك أوف أميركا ميريل لينش، ومورجان ستانلي، وسيتي جروب. وعندما تفعل «وول ستريت» ذلك بشكل رائع، من الإنصاف أن نتساءل عما إذا حصلت المصارف، خلافا لمنافساتها الأوروبية، على ما هو أكثر من استراحة من الأجهزة المنظمة.
يواجه الأوروبيون عقبات جديدة في «وول ستريت»، مثل شرط الالتزام برأسمال مخصص لفروعهم الأمريكية، لكن ذلك لا يعتبر المشكلة الرئيسية. فقد كان «الاحتياطي الفيدرالي» والأجهزة المنظمة الأمريكية الأخرى أيضا صارمة تجاه المصارف الأمريكية، خصوصا المصارف التي تعتبر «أكبر من أن تفشل»، التي اضطرت إلى تجاوز معايير رأس المال العالمية واجتياز اختبارات إجهاد متكررة.
الميزة الأمريكية الحقيقية تعتبر ذات شقين، وقديمة النشأة. أولا، سوقها المحلية أكبر بكثير. كانت مجموعة رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية في الأمريكتين 11.5 مليار دولار في الربع الأول، مقارنة بـ 5.3 مليار دولار في أوروبا. ويقول هيو فان ستينس، المحلل المصرفي الأوروبي في «مورجان ستانلي، «ارتفعت تكاليف كونها عالمية بشكل كبير بسبب القوانين التنظيمية، لذلك وجود سوق مربحة داخلية يعتبر ميزة كبيرة».
ثانيا، قادت المصارف الأمريكية هذا المجال لعقود قبل أن تتحداها المصارف الأوروبية بالوزن المالي الكبير – القدرة على إقراض الأموال إلى الشركات ونشر كثير من رأس المال. وفي الوقت الذي جعلت فيه الأجهزة المنظمة هذا مكلفا بشكل كبير مع قوانينها الجديدة، جاءت الخبرة التقليدية من «جولدمان» و»مورجان ستانلي» إلى الواجهة مرة أخرى.
ويجري الآن إجبار مصارف أوروبا على الانكماش. إنها أكبر من المصارف الأمريكية فيما يتعلق بالاقتصادات المحلية، لأن كثيرا من التمويل الأوروبي يتم من قبل المصارف بدلا من أسواق رأس المال. وكانت أصول المصارف في الاتحاد الأوروبي 274 في المائة من الناتج في عام 2013، مقارنة بـ 83 في المائة بالنسبة للمصارف الأمريكية التي يمكنها تفريغ مخاطر الميزانية العمومية للقروض العقارية لوكالات مثل فاني ماي.
لذلك كل أسبوع، تكشف المصارف النقاب عن تخفيضات جديدة لتتوافق مع نسب الرفع المالي الأكثر صرامة. وقد خفض مصرف كريدي سويس ميزانيته العمومية بشكل كبير، ومن المتوقع أن يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك تحت إدارة تيدجين تيام، الرئيس التنفيذي الجديد. وربما يصبح مثل «يو بي إس»، الذي أبهج المستثمرين عن طريق الحد من التداول المالي.
ولأن هذا يحدث بشكل مجزأ وتدريجي، من السهل أن ننسى مدى أهمية اللحظة التاريخية هذه. لقد قضى كل من «كريدي سويس» و»يو بي إس» عقودا في رعاية المصارف الاستثمارية، من استحواذ مصرف كريدي سويس على «فيرست بوسطن» في عام 1990 إلى قيام شركة المصرف السويسري (التي اندمجت فيما بعد مع «يو بي إس») بشراء «إس جي واربورج» في عام 1995. إن تحدي أوروبا الطويل لـ «وول ستريت» آخذ في التلاشى.
من حسن الحظ أن «دويتشه» ليس لديه هذا الاختيار. فهو يفتقر إلى القوة في الخدمات المصرفية الخاصة من المنافسين السويسريين، ولدى الخدمات المصرفية الألمانية للأفراد عوائد منخفضة بسبب المنافسة من مصارف الادخار العامة. آنشو جاين ويورجن فيتشين، الرئيسان التنفيذيان المشاركان في «دويتشه»، يمكن أن يتخليا عن الخدمات المصرفية للأفراد أو، على الأرجح، فصل الشركة التابعة، بوستبانك، للتركيز على مصارف تجارية واستثمارية وإدارة الأصول.
يمكن القول إن الجنسية في التمويل ليست ضرورية، فقد كان «جولدمان» والمصارف الأمريكية الأخرى في لندن وفرانكفورت منذ فترة طويلة، والاسم الموجود على الباب أقل أهمية إذا كانت المؤسسة تدعم المستثمرين والشركات الأوروبية. فقد ازدهر الحي المالي في لندن دائما لعدم كونه قوميا أو حمائيا.
لكن في الوقت الذي تحاول فيه المفوضية الأوروبية إقامة اتحاد أسواق رأس المال لمعالجة اعتماد القارة على تقديم القروض المصرفية، فإنها بحاجة إلى وجود مؤسسات لدعم هذا التحول. مصارف الاستثمار في أوروبا لا تحتاج إلى أن تكون جميعها عالمية من حيث الحجم، هناك دور مهم لتلك المحلية التي تخدم الشركات الصغيرة ومديري الأصول، لكن مصرفا واحدا عالميا أو اثنين من شأنهما أن يساعدا.
سيجعلان جفاف التمويل الأوروبي أقل احتمالا في حال وقعت أزمة، مثلما حدث عندما تراجعت المصارف الأمريكية؛ كذلك يقل احتمال أن تصدر في نيويورك القوانين التي تعمل بموجبها أوروبا؛ ويزيد في الوقت نفسه احتمال أن تزدهر المنافسة. وإذا لم يكن هناك آخرون يقبلون التحدي، فينبغي لـ «دويتشه» قبوله.

التعليقات معطلة