فيليب ستيفنز
تتخذ آسيا نظرة طويلة الأجل. شاركت ذات مرة في جلسة نقاش في بكين حول مستقبل القوة الأمريكية. وسؤال الاختبار الذي طرحه معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة مفاده: أين ستكون الولايات المتحدة في عام 2050؟ في دولة دائما تخجل من عرض الخلافات الموجودة داخل جماعة النخبة الحاكمة، ولد ذلك نقاشا متحركا لافتا للنظر.
من ناحية كان هناك أولئك المقتنعون بأن مكونات القوة الأمريكية -منها الجغرافيا، والديموغرافيا، والموارد، والحيوية الاقتصادية، والبراعة التكنولوجية، والقوة العسكرية- ستدوم. من الناحية الأخرى، كان أولئك الذين قالوا إن الولايات المتحدة ستسير على خطى القوى الكبرى عبر التاريخ، التي انخفض مستواها بسبب الركود السياسي والانحطاط الثقافي والتدهور الاقتصادي. لم يجر أي تصويت، لكن المجموعة الأولى حظيت بأفضل ما دار في النقاش، الذي جرى قبل الانهيار المالي العالمي ودورة الألعاب الأولمبية في بكين. وأغلب ظني فيما لو أن النقاش تكرر عقب ذلك ببضع سنوات، لكان المتشائمون (أم لعلهم كانوا المتفائلين) هم من فاز. إن القصة التي سمعتها أكثر من مرة في شرقي آسيا خلال السنوات القليلة الماضية كانت تتعلق بالتراجع الأمريكي المنتظر. لقد كان للحلفاء والخصوم شكوكهم في أن الولايات المتحدة ستبقى على المسار نفسه.
وينطبق الأمر بالنسبة لمعظم الأشياء في الحياة، وكذلك بالنسبة للجيوسياسة: الموضة تتغير. بعد بحثه عن عنوان رئيسي للمنتدى السنوي خاصته، اختار معهد آسان، المركز الفكري الرائد للسياسات الخارجية في كوريا الجنوبية، السؤال التالي «هل أمريكا تتراجع؟». أما الرد من صناع السياسة الذين اجتمعوا في سيئول هذا الأسبوع فكان بصفة مبدئية «نعم». كانت التقارير المتعلقة بتراجع أمريكا في الواقع سابقة لأوانها، كما يشهد على ذلك توقيع اتفاقيات التعاون العسكري الياباني ـ الأمريكي الحديثة أثناء زيارة رئيس الوزراء، شينزو آبي، واشنطن. ربما يقول كثيرون «إن الولايات المتحدة لم تغادر أصلا». بدلا من ذلك، كانت واشنطن منشغلة بإيجاد نهج جديد للتعامل مع الاضطرابات العالمية التي تعد الأكثر عنفا منذ قرنين أو نحو ذلك. وبسيرهم بشكل كبير على المنوال نفسه، رأى آخرون أن تغير المزاج عكس إعادة تقييم لمواطن القوة الأساسية لأمريكا أكثر من أي مبادرات جديدة متدفقة من المحور الآسيوي للرئيس الأمريكي باراك أوباما.
قبل فترة ليست بالطويلة، كانت الولايات المتحدة توصف بالكساد وارتفاع العجز والجمود السياسي. الآن عاد النمو، والعجز في انحسار، والأعجب من ذلك أن الديمــــقراطيين والجمهوريين يعملون معا في الكونجرس. وكذلك يمكن إضافة النفط والغاز الصخري لجميع الأشياء الأخرى التي تمنح أمريكا الصدارة.
لو كانت الولايات المتحدة في تراجع، لكانت الصين قد وصلت. فبعد فترة طويلة من عدم الثقة بالنفس، تسعى بكين إلى ربط القوة الاقتصادية بالطموحات الجيوسياسية. وسواء من خلال قواعد جوية في الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، أو من خلال صفقات المساعدة مع باكستان، أو طريق الحرير الجديد عبر آسيا الوسطى، أو من خلال إنشاء مؤسسات مالية إقليمية مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، فقد ألقى الرئيس تشي جينبينج أي موانع متبقية تتعلق بنشر مطالب الصين. إن الخلاف بين بكين وواشنطن حول البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية يبشر بأنه الأول من ضمن خلافات كثيرة. ورغم أن هذا يعد رأيا يدل على قسوة القلب، إلا أن الفوضى في الشرق الأوسط تعد عرضا جيوسياسيا جانبيا عندما توضع على خلفية إعادة ترتيب العلاقات بين القوى العظمى في آسيا. سيتم تعيين الشروط المتعلقة بالنظام العالمي خلال القرن الحادي والعشرين قبل كل شيء بالتركيز على (التعاون والتنافس والصراع) في العلاقة الصينية ـ الأمريكية. حتى الآن، هناك توتر في التعاون والتنافس فيما بينهما، لكن لا تزال هناك مسافة قصيرة للوصول إلى الجزء الثالث، الصراع.
تقول بكين إنه لا يوجد أي شيء عدواني في نظرتها الجديدة للعالم. واحد من أدوار القوى العظمى هو ضمان أمن المناطق المجاورة لهم، وهي لا تخطط لإخراج الولايات المتحدة من شرقي آسيا هذا العام أو العام المقبل، لكن شبكة واشنطن للتحالفات الثنائية تعد من مخلفات الحرب الباردة. ستأتي اللحظة عندما تسيطر آسيا على شؤونها الجيوسياسية، التي من المفترض أن تكون بقيادة الصين. سمعت أحد كبار المسؤولين الصينيين يقول «إن الوقت قد حان ليتخلص الغرب من معتقداته القديمة».
من جانبها، تتخلى واشنطن عن فكرة أن الصين الناهضة يمكن اختيارها كصاحب مصلحة في النظام العالمي الحالي. في تقرير من المحتمل أن يأخذ به مرشح الرئاسة الجمهوري، روبرت بلاكويل، وهو مسؤول سابق مؤثر في إدارة الرئيس جورج بوش، ترد دعوة إلى موقف أكثر قوة بشكل ملموس. ويوجز التقرير الذي شاركت في إعداده آشلي تيليز، الباحثة في مركز كارنيجي، وتم نشره من قبل مجلس العلاقات الخارجية، «مراجعة لاستراتيجية الولايات المتحدة الكبرى تجاه الصين»، وهي خطة تجمع جميع عناصر القوة الأمريكية بهدف الحفاظ على «أولوية» أمريكا في شرقي آسيا. «الأولوية» تعتبر كلمة مؤلمة هنا لبعض حلفاء الولايات المتحدة بقدر ما هي لبكين. إن شرعية الوجود الأمريكي في غرب المحيط الهادئ تنضوي على حقيقة بسيطة هي أن عديدا من الحكومات الأخرى تريد منها البقاء لمواجهة الصين. لكن موازنة ثقل بكين يعد شيئا واحدا. ولدى جيران الصين، رغم شعورهم بالتوتر، مصلحة اقتصادية كبيرة في التعامل مع بكين. ووجود ولايات متحدة تسعى إلى رجحان كفتها بشكل دائم أمر يستدعي حدوث اصطدام. هنا يتبادر إلى الذهن القوات التي لا يمكن وقفها والكائنات غير المنقولة.
لو كان موجودا الآن، ربما قال المؤرخ اليوناني ثيوكيديدس إن كل هذا يؤدي حتما إلى حدوث صراع. وقد يأمل البقية منا أن التاريخ حقق تقدما منذ حروب البلوبونيز (بين أثينا وإسبرطة في القرن الخامس قبل الميلاد). لا يريد أي من الجانبين حدوث حرب باردة، ناهيك عن أعمال عدائية عسكرية. رغم ذلك، ستسير الأمور، وأفضل المعروض ربما يكون سلاما باردا بشكل واضح.

