إداورد لوس من واشنطن
مرحبا أيها الزبائن إلى هذا العمود. أنا أكتب المقالات وأنتم تشتركون في “فاينانشيال تايمز” وتخبرونني بمدى خطئي “لأكون عادلاً، بعض تعليقاتكم لطيفة”. الآن، دعونا نتخيّل أنكم تقرأون هذه المقالة أو أي محتوى آخر من “فاينانشيال تايمز” مجاناً على “فيسبوك” أو “جوجل”. إنها صفقة أكثر روعة بكثير، أليس كذلك؟ ذلك أنكم تحصلون على شيء بدون مقابل، وشركات البيانات الكبيرة بإمكانها الاستمتاع بإحسانها الخاص. عند تطبيق ذلك على أي حجم من المحتوى المتنوع، نادراً ما نجد في تاريخ المعرفة البشرية أن عددا قليلا جداً يُقدّم الكثير جداً إلى عدد لا يحصى من الناس مقابل لا شيء.
هذه، على الأقل، هي القصة التي قام معظمنا بتحميلها. في حالات نادرة، عندما تثير مؤسسة عامة -مثل المفوضية الأوروبية، التي تُحقق في إساءة استخدام “جوجل” مركزها المُهيمن- اعتراضات، فإن العار يكون فوريا. والآن “جوجل”، والحكومة الأمريكية وآخرون يتهمون بروكسل بأنها تتبع سياسة حمائية مكشوفة.
إذا كانت أوروبا قادرة على الابتكار مثل الولايات المتحدة، ربما كانت ستمضي وقتا أقل في محاولة التخفيض من مكانة الآخرين. هناك سبب لكون شعار “جوجل” هو “لا تكُن شريراً”. إنها تستثمر في طُرق لجلب المعرفة للبشرية أكثر من أي وقت مضى.
بيتر تيل، المؤسس المُشارك لشركة باي بال، يصف “جوجل” بأنها احتكار حميد. إذا واجهت منافسة حقيقية، فإن ميزانيتها للأبحاث والتطوير قد تتلاشى – ومعها السيارة ذاتية القيادة، وأجهزة الكمبيوتر التي يُمكن ارتداؤها، ومشروع “لون بالونز” لبيانات الهاتف الخلوي البهيجة من الطبقة العُليا للغلاف الجوي… وهلم جرا. ينبغي لنا تقدير الجانب الإيجابي لهيمنتها. عائدات الاحتكار في “جوجل” تجعلها قادرة على تمويل ما يُعادل مؤسسات الأبحاث والتطوير الأسطورية مثل مختبرات بيل التابعة لشركة AT&T، أو زيروكس بارك التي حققت عديدا من الإنجازات. إلى جانب ذلك، حواجز الدخول إلى صناعة البيانات قليلة. والشركات التخريبية يُمكن تعطيلها.
لكن هناك جوانب أخرى لهذه القصة. الأول، هو أن المُشتكين الرئيسيين على “جوجل” هم الشركات الأمريكية. فهذا ليس خلافاً عبر المحيط الأطلسي. كل ما في الأمر أن بروكسل تملك نظام منافسة أكثر صرامة. اشتكت “يلب”، و”مايكروسوفت”، و”إكسبيديا” وشركات أخرى إلى كل من بروكسل ولجنة التجارة الفيدرالية في واشنطن بشأن ممارسات “جوجل” المزعومة المناهضة للمنافسة. في تقرير صدر عام 2012، أوصى موظفو لجنة التجارة الفيدرالية بضرورة اتخاذ إجراء فيما يتعلق بثلاثة اتهامات ضد “جوجل” تتعلق بسلوكياتها التي أدت إلى “ضرر حقيقي للمستهلكين وللابتكار”. كانت “جوجل” تقدم محتوى “أخذته” من مواقع أخرى على أنه لها. وكانت تعطي أفضلية للمواقع التجارية الخاصة بها في نتائج البحث – تضارب واضح في المصالح. مع ذلك، رفض مفوضو لجنة التجارة الفيدرالية استنتاجات موظفيهم. ربما كان الأمر سيكون مختلفاً لو أن التحقيق أجرته وزارة العدل، كما كان الحال مع مايكروسوفت، التي عوقبت على جانبي المحيط الأطلسي قبل أكثر من عقد.
ولا حتى “جولدمان ساكس” يستطيع مماثلة نفوذ “جوجل” المؤثر في الوقت الحاضر. عندما تم تسريب التقرير إلى “وول ستريت جورنال” في آذار (مارس)، تملقت “جوجل” لجنة التجارة الفيدرالية حتى تتبرأ من استنتاجاتها الخاصة.
إن حقيقة أن المنظمين في الولايات المتحدة في الواقع اتفقوا مع نظرائهم في الاتحاد الأوروبي كانت أمراً خطيراً جداً. جوانا شيلتون، كبيرة أعضاء مجموعة الضغط في “جوجل”، زارت البيت الأبيض أكثر من 100 مرة. وإريك شميدت، رئيس مجلس إدارة “جوجل”، على علاقة وثيقة بالرئيس باراك أوباما أكثر من أي رجل أعمال آخر. حتى إن “جوجل” تملك تجهيزات “دبلوماسية البيانات”، الخاصة بها، “أفكار جوجل”Google Ideas، التي يترأسها مسؤول سابق في وزارة الخارجية. وهذه تجمع بين مبادرات البيانات ضد الأنظمة الاستبدادية والفطنة التجارية لفتح أسواق جديدة. ما هو جيد بالنسبة لـ “جوجل” يعتبر جيداً بالنسبة لأمريكا – والعالم.
لكن هناك تكاليف خفية. تأمّل كيف تتفاعل “جوجل” و”فيسبوك” معك. مقابل الشبكات الاجتماعية المجانية، والبريد الإلكتروني، والفيديوهات، والبحث، وخرائط الأقمار الصناعية والآن المكالمات الهاتفية، تقومان ببناء ملفك الشخصي بتفاصيل دقيقة أكثر من أي وقت مضى.
بدون استيعاب الأمر فعلاً، دخلنا في صفقة خاسرة. هذه الشركات تمنحنا قوة حاسوبية مجانية – تتجاوز أغرب جوانب خيالنا – وبالتالي نكشف أكثر بكثير عن أنفسنا. كلما عرفت “جوجل” أكثر عنك، أصبحت أفضل في إثارة تفضيلات لم تكُن قط تدرك أنك تملكها.
إنه تبادل غير متماثل. البيانات الكبيرة تملك ملفاتنا الشخصية، لكن القليل منا يعرف مدى اتساع ذلك. إنها المعادل المعلوماتي لـ “وولمارت”. لقد تسبّب متجر التجزئة الكبير في الضغط على عدد لا يُحصى من متاجر الناس العاديين، من خلال الحصول على قدرة تسعير أكبر بكثير. فقدان الوظائف كان عميقاً، وبعض الضحايا كانوا من الزبائن. هذا الأنموذج يؤدي إلى التفكيك الذاتي.
لنقم بتطبيق أنموذج وولمارت على صناعة البيانات. نحن نحصل الآن على معظم محتوانا مجاناً “مثل الأستريكس ضد الرومان، “فاينانشيال تايمز”، من بين آخرين، لا تزال صامدة”. وشركات إنتاج المحتوى تُعاني.
بحلول نهاية هذا العقد، سيتم تحميل معظم الكتب في العالم على مكتبة “جوجل” الإلكترونية. سيطرة الشركة على ثقافتنا ومعرفتنا ستكون غير مسبوقة. هل ينبغي لنا استيفاء رسوم البيانات الكبيرة من بياناتنا الشخصية؟ جيف هامرباتشر، الرئيس السابق للبيانات في “فيسبوك”، قال “إن أفضل العقول في جيلي يفكّرون بطريقة لجعل الأشخاص يضغطون على الإعلانات”. في عالم مواز، قد يعرفون شيئاً أكثر جدارة. لكن ما يجلبونه لنا بالفعل هو فوائد لا حصر لها. والشر ليس من ضمنها.
مع ذلك، ينبغي لنا قبول الصفقة بعيون مفتوحة. نحن لسنا زبائن البيانات الكبيرة، لكننا أحد منتجاتها. طالما كنا نفهم نحن المستخدمين أنه يتم استغلالنا أيضاً، فلندع الحصاد يستمر.

