Pdf copy 1

 بغداد / المستقبل العراقي
الولايات المتحدة الأميركية أصبحت رسميا خارج لعبة الأزمة السورية التي أججتها قطر مطلع عام 2011، خاصة بعد التقارب الكبير الذي تحقق في الملف النووي الإيرامي، وهو ما تريد إدارة الرئيس باراك أوباما التفريط به  لاسيما مع وجود إيران كلاعب رئيس في الحفاظ على عدم انفجار الوضع السوري، الأمر الذي يجرّ الولايات على المنطقة بأكملها، ويفتح الباب واسعاً للتنظيمات الإسلامية المتطرفة في أن تكون محرّكاً للشرق الأوسط.
يمكن للمراقب أن يستشف الرسالة التي حصل قادة الخليج والسعودية وقطر على وجه الخصوص، عليها من قمة كامب ديفيد: “ليتدبر كل منكم أمره في سوريا”. 
يتزامن هذا الصراع الدائر الآن كلما اقتربت ولاية أوباما من نهايتها، إذ تبين أن الاستراتيجية الأميركية في سوريا لن تتورط بكل ما عرض عليها الأتراك والسعودية من خطط واقتراحات، ولا وجود أيضاً لقوة «معتدلة» تعمل الولايات المتحدة جدياً على بنائها.إن كل ما تفعله واشنطن الآن هو تدريب 90 متدرباً سورياً في الأردن، وهؤلاء ستدفعهم إدارة أوباما لمواجهة تنظيم “داعش” في سوريا، فضلاً عن إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهذا يشرح بشكل جليّ عدم إرادة البيت الأبيض في الخوض بالمستنقع السوري.
يضاف إلى ذلك أنه لن تكون هناك منطقة حظر جوي أو منطقة آمنة، لان القبول بها أو تشجيعها بصرف النظر عن حاجز «الفيتو» الروسي المفترض في مجلس الأمن وانعدام فرص فرضها فرضاً أحادياً، أو مجرد وضعها على جدول الأعمال العسكرية الأميركية يتطلب أمرين لم تقبل بهما الولايات المتحدة لسببين: أولهما تدمير البنى الدفاعية الجوية السورية كشرط لازم ومسبق، علما أن الجيش السوري يملك شبكة دفاع جوي لا تزال تعمل بنشاط وتغطي جبهة واسعة بطول 800 كيلومتر، وثانيا بسبب الحاجة إلى إرسال قوات برية لإتمام العمل، وهو طبعاً ما يرفضه الأميركيون.
الأوضح من ذلك أن الولايات المتحدة لن تذهب إلى حد استفزاز إيران في سوريا، إبان المنعطف الأخير نحو الاتفاق النووي، فضلا عن أن الإيرانيين قد لعبوا الدور الأساسي في احتواء «داعش» ومنعوا حصار العاصمة بغداد، واستعادوا المبادرة على الأرض في حزيران الماضي، منذ معركة جرف الصخر، وحتى إيقاف زحف «داعش» على اربيل.
وحتّى ذلك، فإن بقاء ثلاثة آلاف عسكري أميركي في العراق، فيما تقوم بلادهم بتوجيه ضربات للجيش السوري، سيحولهم إلى أهداف مشروعة، إيرانياً وعراقياً، من كل المجموعات التي تقاتل حاليا إلى جانب الجيش السوري. كما أن عملية تطبيع وإعادة تأهيل الجماعات «القاعدية» داخل المعارضة المسلحة، لا يحظى بتأييد العسكريين الأميركيين، الذين تلقت استراتيجيتهم في بناء «قوة معتدلة» ضربات قاتلة من «جبهة النصرة»، و«الجبهة الإسلامية»، التي قامت تباعاً بتصفية «جبهة ثوار سوريا»، التي قادها جمال معروف، ثم قضت على «حركة حزم».
ووفقاً للمعلومات المسرّبة، فإن الخليجيون سيتدبرون أنفسهم في الأسابيع المقبلة لإعادة بناء المعارضة السورية على أسس «جهادية» خالصة بعد التحرر من الضغوط الأميركية، محورها «جبهة النصرة» و«جيش الفتح».ولإتاحة الفرصة لصعود «النصرة»، يتجه الأتراك والسعوديون إلى تحجيم دور غرفة العمليات في إنطاكيا، والتي كانت تسمح لبقية الأجهزة والدول بالعمل في الداخل السوري، وانتخاب الفصائل التي يمكن تمويلها، واستخدامها في العمليات العسكرية ضد الجيش السوري، لكن من دون تنسيق واسع خلال العمليات، ومركزية في القرار.
ويطمح السعوديون والأتراك والمموّلون الخليجيون للجماعات «الجهادية»، إلى استغلال سيطرة هذه الجماعات شبه الكامل على العمل العسكري في الشمال السوري، من أجل بناء محور إسلامي خالص يستند إلى «جبهة النصرة» خاصة، والى المقاتلين الأجانب الذين يمكن السيطرة عليهم، خصوصا عبر المخابرات التركية، مثل «جماعة جنود الشام» الشيشانية، بالإضافة إلى «فيلق الشام»، و«أجناد الشام»، وجند الأقصى، و «أنصار الإسلام».
وبحسب مصادر غربية، فإن حكومة اردوغان قامت بتجفيف مصادر تمويل «الجبهة الشامية» بعد فشلها في إدارة معركة حلب، لفتح الطريق أمام «جيش الفتح» وإجبار الفصائل المترددة على الانضمام إليه. وكانت المجموعات المنضوية في «الجبهة الشامية»، التي قادها «الإخواني» عبد العزيز سلامة زعيم «لواء التوحيد»، قد نجحت بالعمل أشهرا، من دون تمويل مباشر من تركيا، وبالاعتماد على أعمال التهريب عبر المعابر، والخوات، وسرقة الصوامع والمعامل والمحالج، لكنها لم تحرز تقدما يذكر في جبهات حلب.
ويحتاج تعميم التجربة إلى تقارب سعودي ـ تركي، على المدى البعيد، في حين انه لا يستند إلى أسس إيديولوجية متينة، وان استند إلى انقلاب سعودي كبير، وتمرد ثنائي على مواقف واشنطن الأخيرة، منها ما اتصل بالسعودية في ملف الضمانات الأمنية، أو احتواء التمدد الإيراني، و «التهاون» في الملف النووي الإيراني، أو الاستنكاف عن توجيه ضربات عسكرية للجيش السوري، ومنها ما اتصل بتركيا، عبر رفض واشنطن أي منطقة حظر جوي، أو تدخل بري، أو المخططات التركية التي قد تؤدي إلى انهيار الدولة الوطنية السورية ومؤسساتها، وهو ما لا تريده واشنطن الآن، قبل التوصل إلى تصور لحل سياسي مستقبلي في سوريا، والعثور على عناصر من داخل النظام، كما تراهن للقبول بتغيير وفق مصالحها.
ولا يبدو أن التقارب التركي ـ السعودي سيؤدي إلى استراتيجية مشتركة، برغم المرونة التي يبديها السعوديون نحو التعاون مع جماعة «الإخوان المسلمين». وكان ضباط المخابرات السعودية في إنطاكيا قد وافقوا على إعادة تشكيل وتمويل «كتائب ثوار الشام»، من مجموعة علي شاكرلي في «فجر الإسلام» و «ديوان الأنصار»، العمود الفقري لـ «جيش المجاهدين»، و «كتائب الزنكي»، و «حركة النور» «الاخوانية»، وهو جزء من إطار سعودي أوسع لمد جسور مع «الإخوان»، من «الإصلاح» في اليمن في إطار حاجات «عاصفة الحزم» الفاشلة، الى «النهضة» التونسية، فـ «الإخوان» السوريين، الذين لم تقطع الرياض الجسور معهم بأي حال.وقد لا يذهب التقارب السعودي ـ القطري ـ التركي أبعد مما هو عليه. فالسعوديون يأخذون أولا على الأتراك خذلانهم إياهم في «عاصفة الحزم»، كما أن هدف الحرب التي يقوم خلالها السعوديون بتدمير اليمن، هو ترسيخ زعامتهم على العالم العربي، والسني. وتواجه عملية إعادة البناء العسكري حول «النصرة»، صعوبات كثيرة، إذ يقول خبير غربي في الشمال السوري إن القطريين حاولوا وفشلوا في إقناع أبو محمد الجولاني، بنقض بيعته إلى «القاعدة». كما ان ممثلين عن «أحرار الشام» انضموا إلى لقاء قطري مع قائد «النصرة» للبحث بنقض البيعة. وكان البحث معهم قد تركز على فشل مشروعهم في إقامة «إمارة» مستقلة في الشمال السوري، تحت ضغط البيئة الحاضنة، وعمليات المواجهة التي لم تتوقف مع المجموعات الأخرى، مثل «حركة حزم» و «جبهة ثوار سوريا»، ما يفرض عليهم مراجعة مشروعهم. كما ان الكثرة الغالبة من «الأمميين الجهاديين» قد غادروا «النصرة» الى «داعش»، ما يعفيها من الالتزامات التي قدمها هؤلاء الى «القاعدة» قبل نقض بيعتهم.والأرجح أن مطلب نقض البيعة لم يعد مطروحا على الطاولة مع الجولاني، إذ لن يكون باستطاعة «النصرة» أن تلعب الدور المحوري الذي يريده لها المحور السعودي ـ التركي ـ القطري، اذا ما نقضت بيعتها إلى «القاعدة».إذاً لن تكون سوريا من أولويات الإدارة الأميركية في الأشهر المقبلة، ولن تواجه هذه الدول ضغوطاً كبيرة في استراتيجياتها السورية إلا بما يتعارض مع أهداف واشنطن في مواجهة «داعش»، وعدم استفزاز إيران، التي بدأت بإرسال قوات إلى الشمال السوري، إلى جانب حلفائها العراقيين واللبنانيين، بالإضافة إلى روسيا، التي ترسل المزيد من الخبراء إلى سوريا لتعزيز عمليات الجيش السوري.كما أن نقض البيعة قد تؤدي إلى نتائج معاكسة، إذا ما تكررت عمليات الهجرة نحو «داعش»، وخسارتها أكثر من ثلثي أعضائها عندما انفجر الخلاف بين «الخليفة» ابو بكر البغدادي، و «الفاتح» الجولاني في حزيران العام 2013، حول ولائهما لـ «القاعدة» آنذاك. والأرجح ان يفضل الأتراك والسعوديون «نصرة قاعدية» وقوية قادرة على مواجهة الجيش السوري، على قاعدة أعيد تدويرها وتنظيفها من «القاعدة»، ولكن من دون نصف مقاتليها على الأقل.

التعليقات معطلة