المستقبل العراقي / عمر الجفال
في سوق الشورجة، وسط العاصمة العراقيّة، صاح شابّ على صديقه أن ينظر، وأشار إلى «بسطة» افترشت رصيف مزدحم، وقال: «هل رأيت؟ حتّى في الغرب لا تعرض مثل هذه الأشياء في الأسواق الشعبيّة»!
في هذه الأثناء، مشت سيّدة بمحاذاة البسطة ورأت إشارة الشابّ، فانتابها الفضول وألقت نظرة، فإذا بها تشيح نظرها بقوّة، مشمئزّة، وأسرعت في المشي هاربة.
تستولي الأسواق العراقيّة الشعبيّة، دائماً على الأرصفة، وهي مليئة بالمفاجآت، فتجد فيها كلّ شيء، حتّى الأدوية. لكن ما لم يكن متوقّعاً، أن تباع وسائل «جنسية» متمثّلة في أعضاء جنسيّة، أنثويّة وذكوريّة، بألوان وأحجام متنوّعة، فضلاً عن منشّطات جنسيّة جاءت من مصادر مختلفة.
كان ذلك مفاجئاً وغريباً في سوق شعبيّ. مراقبة سلوك الناس تحيل إلى أنّ الكثير من الشباب يتوقّفون أمام البسطة يتضاحكون ويتغامزون، وقد يتجرّأ أحدهم على رفع أحد الأعضاء ملوّحاً بها لأصدقائه، وبعضهم تأخذه الدهشة، فيسأل صاحب البسطة بعض الأسئلة، منها على سبيل المثال: «هل فعلاً هناك من يشتري هذه البضاعة»؟
المعروف عن البيئة الاجتماعيّة العراقيّة أنّها متزمّتة وعشائريّة، فضلاً عن سيطرة الدين الواضحة عليها خلال العقد الأخير، لذا يبدو غريباً أن تتسرّب إليها بضائع مثل هذه، خصوصاً في سوق شعبيّ وكبير مثل الشورجة، وعلى نحو علنيّ. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ بائع هذه البضائع يزيد من دهشتنا حين يصف بضاعته بأنّها «شيء طبيعيّ مثلها مثل أيّ بضاعة أخرى»!
لم تكن السلطات غائبة عن هذه الظاهرة. ففي عام 2012، بدا مجلس محافظة بغداد متضايقاً من انتشار الأعضاء التناسليّة الصناعيّة، ودعا حينها إلى اتّخاذ الإجراءات القانونيّة كافّة في حقّ الشبكات التي تتاجر بها. لكنّ السلطات كانت أضعف من أن تضبط هذه التجارة أو الحدّ منها، فأصبحت البضائع تتسرّب إلى الأسواق على نحو أكبر من السابق.
لا توجد قوانين محدّدة تمنع بيع بضائع مثل هذه، إلا أنها تُعد مخلّة بالآداب العامة، والأعراف، ما يجعلها مخالفة للقوانين
يقول بائع رفض الإشارة إلى اسمه إنّ «هذه البضائع متوافرة منذ عام 2004». ويضيف: «كنّا نبيعها في شكل سرّي إلى صالونات الحلاقة النسائيّة، وبعض الدلالات، وهنّ نساء اشتهرن في بيع البضائع في الأحياء الشعبيّة، إلّا أنّها منذ مدّة طويلة باتت تباع على الأرصفة في بعض الأسواق المعروفة».
أشار البائع، وهو يرتّب بسطته، إلى أنّه في الغالب يبيع هذه الأعضاء إلى شبّان لغرض التسلية وعمل المقالب في ما بينهم، لكنّه يؤكّد وجود شبّان هم في حاجة حقيقيّة لها، يتنكّرون بالمزاح.
ووفقاً للبائع الذي لم يتجاوز عمره الـ30 عاماً، فإنّ «غالبيّة النساء لا يشترين الأعضاء التناسليّة الصناعيّة من البسطة، حيث تكون طلباتهنّ غالباً على الهاتف المحمول».
على صعيد الأسواق التي تتعامل بمثل هذه البضائع، يعدّ سوق الباب الشرقيّ «جنّة الممنوعات»، والمشاهد فيه سورياليّة تماماً، فلا رقابة هناك على أيّ شيء، وتباع الأدوية إلى جانب الأحذية والألبسة العسكريّة، والأعضاء التناسليّة الصناعيّة، والمنشّطات الجنسيّة، وأفلام البورنو، ومراهم لا تعرف طبيعتها. كلّ شيء معروض في شكل واضح، بلا رقابة، ولا تدخّل من السلطات. ويتميّز الباعة بالوقاحة والانفتاح، فالبيئة هناك حكر على الرجال على عكس سوق الشورجة.
قال حسين كلشي، وهو أحد الباعة الشبّان الذين يعملون في الأعضاء الصناعيّة والعقاقير الجنسيّة، إنّ «الشرطة تلاحقهم دائماً إلّا أنّها لا تستطيع السيطرة على سوق الباب الشرقيّ»، مضيفاً «هذا رزقنا في النهاية ولدينا طرق للحفاظ عليه».
وأشار كلشي، ولقبه يعني كلّ شيء، وقد وصم به لأنّه تنقّل في بيع بضائع متعدّدة، إلى أنّ هناك الكثير من الزبائن الذين يشترون الأعضاء التناسليّة الصناعيّة والمنشّطات الجنسيّة.
ويتابع قائلاً: «هناك الكثير من المراهقين الذين يشترون الأعضاء التناسليّة الصناعيّة الأنثويّة والذكوريّة «.
وعن أسعارها، قال إنّها «تتراوح بين 40 و200 دولار، وهناك ما هو أغلى من ذلك إلّا أنّ الطلب عليه قليل».
عبد عبدالحسين الكعبي، وهو صيدليّ ولديه مذخر أدوية، قال عن مصدر هذه البضائع، إنّ مصدرها هو الصين، وتأتي في بعض الأحيان مع شحنات الأدويّة أو مع بضائع أخرى مثل الألبسة عن طريق الموانئ أو الطرق البريّة.
ويضيف «أغلب هذه البضائع مخالف للشروط الصحيّة، وقد تتسبّب بأمراض والتهابات»، لافتاً إلى أنّ «المنشّطات الجنسيّة قد تتسبّب بالموت، لا سيّما أنّها تصرف من دون وصفة طبيّة».
بدوره، يرى عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان النائب علي جاسم المتيوتي أن «إدخال هذه البضائع المخلّة بالآداب إلى العراق لا يقلّ عن جريمة تدمير تنظيم (داعش) للمجتمع».
وقال المتيوتي إنّ «هناك فساداً في المنافذ الحدوديّة، وهو ما يفسّر دخول بضائع لا تسمح الدولة بوجودها»، موضحاً أنّ «هناك شبكات تعمل على تدمير المجتمع من خلال توريد بضائع تتنافى مع قيم المجتمع العراقيّ وأخلاقه».
ليس لدى المتيوتي معلومات وافية عن هذه البضائع وكيفيّة دخولها وحجم تداولها في الأسواق العراقيّة، إلّا أنّه فسّر تداولها بالوضع الأمنيّ المرتبك الذي يعيشه العراق والذي يصعّب مهمّة ملاحقة الظواهر الغريبة في المجتمع.
ويمكن اعتبار العراق خلال العقد الأخير أحد الأمكنة لتصريف البضائع غير المطابقة للمواصفات الصحيّة العالميّة من دول الجوار، فالحكومة اكتشفت أكثر من مرّة وجود أدوية وأغذية فاسدة يتمّ توريدها إلى العراق. ومع وجود الفوضى الأمنيّة الكبيرة، والفساد المستشري في جسد الدولة، فإنّ حصر هذه الظواهر، أو سن قوانين عقابية صارمة تمنع استيراد المواد المخالفة للمواصفات الصحية التي تصيب العراقيين بامراض، يبدوان مهمّة شبه مستحيلة.

