ليلي لي براون
اللوحة السوداء الحية لم تزد على حجم إبهامه، لكن هاوي جمع الفنون كاميار ماليكي أحبها على الفور. نقر على زر “أعجبني” تحت الصورة، من خلال الضغط على القلب الأبيض أسفل الصورة حتى يتحوّل إلى اللون الأحمر. وضغط على #kaspersonne، المكتوبة باللون الأزرق تحت القلب. ثم ظهر مزيد من الصور، لكن هذه المرة بحجم ظفر إبهامه. ضغط على واحدة لتكبيرها. @mrkaspersonne كان قد كتب تعليقاً تحتها. الضغط على هذه قاده إلى ملف شخصي: مزيد من الصور، عنوان موقع إلكتروني، صورة شخصية دائرية صغيرة واسم فنان شاب من الدنمارك، كاسبر سوني.
هل تشعر بالحيرة؟ إذن أنت لست واحداً من الـ 300 مليون شخص الذين لديهم حساب على “إنستجرام”، منصة مشاركة الصور والفيديو التي أصبحت قوة رئيسية في الصناعات الإبداعية منذ إطلاقها قبل خمسة أعوام. ماليكي، الذي يُدير شركة لتنظيم المناسبات، لكنه كان من هواة جمع الأعمال الفنية المُتعطّشين للفن المُعاصر خلال الأعوام العشرة الماضية – فضلاً عن كونه ابن أحد هواة الجمع المتميّزين – كان يستخدم هذه المنصة تطبيقا على هاتفه الذكي عندما صادف أعمال الفنان سوني. لهذا السبب لا يعرف لمن يعزو الفضل في هذا التقديم. يُمكن أن يكون أي من المستخدمين الـ 1027 الذين اختار “متابعتهم” قد أخذ صورة للوحة، أو “أخذ لقطة” لصورة شخص آخر، وقام بتحميلها على حسابه.
تكشف إحصاءات “إنستجرام” أن أكثر من 70 مليون صورة يتم نشرها بهذه الطريقة يوميا، وأن المستخدمين يقضون 21 دقيقة في المتوسط يومياً يتصفّحون، ويشاركون، و”يعجبون” ويُعلّقون عليها. كما يتم الضغط على ذلك القلب الأحمر الصغير ما مُعدّله 2.5 مليار مرة يومياً.
الآثار المترتبة على سوق الفن البصري ضخمة. تقرير تجارة الفن عبر الإنترنت لعام 2015 من إعداد شركة آرت تاكتيك، وجد أنه إلى جانب “فيسبوك”، فإن “إنستجرام” هو منصة وسائل الإعلام الاجتماعية الأكثر أهمية في عالم الفن. فأعداد مستخدميها تجاوزت أعداد مستخدمي “تويتر” في نهاية العام الماضي، وفي حين أن “فيسبوك” هو الأكثر شعبية لاكتشاف الأخبار والأحداث، إلا أن عددا أكبر من الناس يستخدمون “إنستجرام” – أي أنه يتم التعبير عن مزيد من الآراء – ما يُشير إلى أنها تؤثر في عادات جمع الأعمال الفنية بقوة أكبر.
ووجد التقرير أن 74 في المائة من مُشتري الفن الجُدد قالوا إن منشورات وسائل الإعلام الاجتماعية لهواة الجمع الآخرين تؤثر في مشترياتهم. وأظهرت دراسة عن هواة جمع الأعمال الفنية أجرتها وكالة أرتسي، موردة الفن على الإنترنت، أن أكثر من نصف المُستجيبين اشتروا أعمالا اكتشفوها عن طريق “إنستجرام”.
بعد وقت قصير من رؤية اللوحة على هاتفه الذكي، اتصل ماليكي بمعرض الفنان سوني في باريس واشترى اللوحة (“TXC47”, 2014)، بدون أن يُشاهدها شخصياً. لم يكشف عن المبلغ الذي دفعه مقابلها، لكن الأعمال المماثلة تُباع بمبلغ مكون من خمسة أرقام.
على الرغم من أن ميزة “النقر والشراء” غير متوافرة بعد على “إنستجرام”، إلا أن شركات الفن كانت سريعة في اكتشاف مزاياها كمنصة تسويق، خاصة لاستهداف الجمهور الشاب الدولي. والآن معظم المتاحف، ودور المزادات، وصالات العرض لديها حسابات على المنصة ـ وعديد منها كرس فريق عمل خاص لوسائل الإعلام الاجتماعية.
ماليكي نفسه يستخدمها الآن لترويج معرض يُسمى هاشتاج أبستراكت. وقد اختار عدة أعمال، منها أعمال سوني، يعتقد أنها ستبدو جيدة بشكل مميّز على “إنستجرام”، بقصد تشجيع التفاعل على وسائل الإعلام الاجتماعية. وقد بيعت معظم اللوحات حتى قبل أن يفتتح المعرض.
وكانت “إنستجرام” ناجحة بشكل خاص في تضييق الفجوة بين المجالات الشخصية والمهنية، وهو ما يُكمّل اعتماد عالم الفن على العلاقات الفردية ونفوذ بعض الناس الذين يحدّدون الأذواق حول ما هو رائج. في أيار (مايو) من العام الماضي، لويك جوزر من دار المزاد كريستيز، وهو رئيس مزاد الفن المُعاصر ‘If I live I’ll See You Tuesday’، استخدم حسابه الشخصي على “إنستجرام” لإعطاء المشترين معاينة للصفقات الفردية قبل أن يتم نشر الكاتالوج: وقد بيع 97 في المائة من الأعمال، بربح صاف يبلغ 134.6 مليون دولار.
بيانكا شو، رئيسة مزاد الفن المُعاصر المُخصص للفنانين الناشئين First Open/LDN في دار مزاد كريستيز، تؤكد أن “إنستجرام” تُصبح وسيلة أساسية لمواكبة الأحداث الفنية العالمية، والإشارة لأسماء الفنانين وهواة الجمع. وتقول إن الصور التي ينشرها المهنيون في الصناعة، والفنانون، والأصدقاء، ودور النشر خلقت “منتدى آخر. نحن نعمل في صناعة بصرية، لذلك فإن الأمر تقريباً مثل قراءة الأخبار”.
كما أنها تخدم هدفاً مماثلاً لهواة الجمع. يقول ماليكي “لا شيء يتغلّب على الذهاب إلى المعرض، أو السوق الخيرية، أو الاجتماع شخصياً. لكن إذا كنت لا أستطيع القيام بذلك، فإن “إنستجرام” و”فيسبوك” بالتأكيد يُساعدان على عدم تفويت المناسبة”.
هناك علامات على أن تطبيقات مشاركة الصور والفيديو مثل “إنستجرام” لا تعمل فقط على تغيير الطريقة التي تتم بها رؤية الأعمال الفنية واكتشاف المواهب الجديدة، لكن أيضاً الطريقة التي يتم بها شراؤها. سوق المبيعات على الإنترنت في ازدياد مستمر كل عام، إذ بلغت 2.64 مليار دولار عام 2014، صعودا من 1.57 مليار دولار عام 2013، وذلك وفقاً لشركة آرت تاكتيك. وعلى الرغم من أن هناك قليلا من الفرص للشراء مباشرة من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، إلا أن تقرير آرت تاكتيك وجد أن 41 في المائة من المُستجيبين كانوا قد اكتشفوا منصة تجارة إلكترونية من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، مقارنة بـ 34 في المائة في العام السابق.
لكن هل التجارة الإلكترونية في خطر مجانسة ما يقوم الناس بشرائه؟ هل مشاهدة صورة رقمية على الشاشة تدعم نوعا معينا من الجمالية؟ اختيارات ماليكي للمعرض – جميعها ثنائية الأبعاد، لا تزيد على ارتفاع ثلاثة أمتار، مع صور جرافيكية وسعر يراوح بين خمسة آلاف دولار و24 ألف دولار.
لكن تشو تُشير إلى أن الشركات العالمية مثل كريستيز كانت تشتري وتبيع على أساس الصور لأعوام. ففي عام 2013 وجد تقرير آخر أعدته شركة آرت تاكتيك أن 71 في المائة من هواة الجمع و88 في المائة من صالات العرض كانت تشتري وتبيع بانتظام أعمالا “لم تُشاهد في الموقع”.
وتقول “بالنسبة لي، الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في ظاهرة وسائل الإعلام الاجتماعية هذه برمتها هو ليس فقط كيف نستخدمها كوسيلة للترويج والمشاركة، لكن فيما يفعله الفنانون بها، وكيف يعكسون الطريقة التي أصبحت بها متأصّلة في حدود الوعي الاجتماعي والثقافي”. وتستشهد بسلسلة الأعمال الأخيرة لريتشارد برينس – لقطات من الشاشة مُكبّرة من منشورات “إنستجرام” المطبوعة على الأقمشة، فضلاً عن الفنانة المسرحية أماليا أولمان، التي سرعان ما اجذتبت ما يُقارب 70 ألف مُتابع إلى شخصية وهمية على “إنستجرام” قامت بتقليد الملفات الشخصية الشائعة.
ولا تزال هناك مسافة أمام قنوات وسائل الإعلام الاجتماعية مثل “إنستجرام” حتى تستطيع الاستيلاء على بعض من الوسائل الأكثر تقليدية لشراء الفن. تقريباً نصف المُستجيبين لتقرير شركة آرت تاكتيك لم يروا أي علاقة بين وسائل الإعلام الاجتماعية والفن الذي يمكن أن يشتروه عبر الإنترنت. عدم القدرة على فحص العمل فعلياً يعد مصدر قلق بالنسبة لكثير من المشترين المحتملين. اللون، الحالة، والحجم هي أمور ذات مخاطر معينة، والأخطر من ذلك، أنه من الصعب أكثر تمييز أصالة العمل.
ويعترف ماليكي أنه عندما فتح لوحة سوني التي بحجم 152 × 122 سنتيمترا، كانت مختلفة قليلاً عما توقعه. لكن هذا لم يوقفه – واصل إثراء مجموعته باستخدام “إنستجرام”، من خلال بناء علاقات جديدة مع صالات عرض وفنانين. لكنها تبقى طريقة واحدة من عدة طرق يحصل بها على الفن. يقول “أنا أشتري من جميع الأماكن. لا يهم فعلاً أين تجده. في نهاية الأمر، الموهبة هي الموهبة”.

