المستقبل العراقي/ متابعة
رغم حالة الألم والحزن التي تسيطر على عائلة السبعيني حسين علي الذي وافته المنية قبل أسابيع عدة، إلا أن وقوف الأقارب والجيران إلى جانب أهله وتقديم يد العون لهم ومشاركتهم أحزانهم، كان لها الأثر الكبير الذي خفف من تلك الحرقة وضمد جراحهم على رحيل والدهم.
أحمد الابن البكر للسيد علي رحمه الله، يؤكد أن “فزعة “الأقارب والأهل والأنسباء أثناء فترة العزاء، خففت عنهم كثيرا، منوها إلى أنهم أكرموا ضيوفهم وأطعموهم أثناء انشغالهم بحزنهم على والدهم.
وتستذكر السيدة انتصار بدر “53 “ سنة ،المواقف النبيلة التي وقفها الأهل والأقارب والجيران معهم عند وفاة ابنتها فجأة، الأمر الذي تسبب لها بألم ووجع كبيرين ما يزالان يغصان في قلبها ويحرقانها.
وتلفت بدر إلى أنها ورغم الألم الذي كان يعتصر قلبها والحزن الذي سكن قلبها على وفاة ابنتها المفاجئ، إلا أن التفاف العشيرة والأصدقاء حولها وحول أسرتها وحالة التكافل الاجتماعي التي كانت تشعر بها كانت بلسما لجراح عائلتها.
وبينت أن الأقارب والأصدقاء كانوا يقومون بتقديم وجبات الطعام اليومية، من إفطار وغداء وعشاء، وحتى واجب الضيافة من قهوة سادة وفواكه، إكراما للضيوف القادمين ولأهل البيت، الذين لا يقوون على القيام بأي أمر.
من جانبها، تصف اللسيدة مريم منتصر”44” سنة ،حالة الذهول المفاجئة والصدمة الكبيرة التي يعيشها الفرد بعد سماع خبر وفاة شخص قريب عليها، خصوصا بعد أن فقدت أخاها العشريني بحادث سيارة، الأمر الذي جعلها وأسرتها في حالة ذهول لمدة شهرين كاملين، رافضين فيها حتى تقبل فكرة وفاته منتظرينه حتى يدخل عليهم في المنزل في أي لحظة، وفق قولها.
وتقول “فاجعتنا أنستنا كل شيء”، مقدرة وقوف الأصدقاء والأقارب وأصحاب أخيها المتوفى إلى جانب أسرتها، والذين تكفلوا بتقديم الطعام لهم ولمعزيهم لأيام عدة، حتى انهم ما يزالون إلى الآن، وبعد مرور عام يأتون ويطمئنون عليهم.
السيد مراد عطية”50”، سنة،ومن باب التخفيف وتقديم المساعدة في حالات العزاء، اقترح عمل صندوق خاص أو جمعية تتكفل بتقديم الطعام لأهل المتوفى على مدار اليوم ولمدة عشرة أيام.
ويجد عطية هذه الخطوة تطبيقا من أفراد العائلة لشرع الله تعالى وسنة نبيه والحث على إطعام أهل المتوفى والوقوف إلى جانبهم أيام حزنهم.
وكان عطية قد استوحى هذه الفكرة من معاناة صديقه الذي نسي حزنه على والده، وانشغل بتأمين الطعام والشراب للضيوف الذين جاؤوا للتعزية من قرى بعيدة، واصفا حجم المسؤولية التي تحملها صديقه الذي لم يكن يردد على لسانه سوى كلمة “بدنا بياض الوجه”.
“نفسي أبكي على أبوي”، بهذه الكلمات عبرت السيدة شيرين محمد عن مقتها وغضبها بسبب احتشاد الضيوف الذين لازموا منزل والدها بعد وفاته، الأمر الذي استدعى بقاءها وأخواتها في المطبخ طوال اليوم يحضرن الطعام ويقمن بواجب الضيوف.
وتستهجن شيرين عادات بعض الناس الذين يتجاهلون حزن أصحاب العزاء ومصابهم، فبدلا من أن يخففوا عنهم يزيدون من أعبائهم، لافتة إلى أنها لم تجد الوقت للبكاء أو حتى قراءة آية قرآنية عن روح والدها.
بدوره، يشير اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطر إلى أن فقدان أحد الأصدقاء أو أحد أفراد العائلة، يجعل الإنسان بحالة من الوحدة والألم، لذا فإن وقوف الآخرين إلى جانبه ومواساتهم له تريحه من الألم والحزن وحالة الخسران والشعور بعدم الحياة.
ويلفت مطر إلى أن من يفقد عزيزا يصبح بحاجة للدعم النفسي والمساندة، وذلك بوجود أناس من حوله يساعدونه، مشيرا إلى أن إطعام أهل الميت ضرورة اجتماعية للتخفيف عنهم.
ويصف هذا السلوك بالخلق الرفيع والحالة الإنسانية العظيمة، مشيرا إلى أن ذلك له تأثيره الكبير على نفسية الإنسان المصاب وإحساسه بالحياة وكم هو سعيد بالمجتمع من حوله.
ويقدر مطر مثل هذه المبادرات، مؤكدا أهميتها من الناحية النفسية والمجتمعية والإنسانية والأخلاقية، مشددا على ضرورة الاهتمام بمثل هذه السلوكيات.
من جهته، يشير اختصاصي علم الاجتماع الأسري الدكتور فتحي طعمه، إلى أن فكرة إعداد الطعام تخفف عن أهل المتوفى، الذين لديهم ما يشغلهم من حزن، عن استقبال المعزين والحالة النفسية المضطربة لفقدانهم عزيزا.
ويجد طعمه أن قيام الأقارب والجيران بتقديم الطعام لأهل المتوفى يعد نوعا من التكافل الاجتماعي، فتزداد المحبة بين الناس والألفة، ويشعر الفرد أن هناك من يشاركه في حزنه ومصيبته.
ومن الجانب الشرعي، يشير اختصاصي علم الشريعة الدكتور أحمد عبد الله، إلى أن إعداد الطعام لأهل المتوفى هو تطبيق لسنة نبي الله محمد صلى الله عليه واله وسلم، لافتا إلى أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا هم الذين يصنعون الطعام لأهل الميت.
ويؤكدعبد الله أن أجر من يعد الطعام لأهل المتوفى عظيم عند الله، لأنه سنة الإسلام، لاسيما وأنه يخفف عن أهل المتوفى ويشعرهم بأن هناك أشخاصا يقفون إلى جانبهم ويساندونهم في محنتهم وهي من أخلاق الإسلام.

