Feature

مايكل ميللير 
حشود ضخمة من العائلات تجمعت مع أطفالها في وسط العاصمة المكسيكية مكسيكو، وهي تحمل صوراً لأبنائها المفقودين. واستمع الجميع إلى الرئيس «إنريك بينيا نييتو» وهو يطلق وعوده أمامهم بألا يغلق ملفّ البحث في جريمة اختطاف أبنائهم. إلا أن آباء التلاميذ المختطفين منذ عام كامل، وربما يكونون الآن في عداد الموتى، لا يعتزمون الانصراف من مكان الاعتصام المتواصل ما لم يتلقوا إجابات شافية عن مصير أبنائهم.
ويوم الخميس الماضي، التقى أعضاء العائلات المنكوبة باختفاء أبنائها مع الرئيس «بينيا نييتو» في العاصمة المكسيكية لتقديم لائحة مطالبهم. وهم يوجهون الاتهام للحكومة بأنها تحاول امتصاص غضبهم بإطلاق «كذبة تاريخية» لتبرير ما حدث قبل عام كامل. وأعرب الآباء المعتصمون عن نيتهم تنظيم تظاهرة حاشدة في الذكرى السنوية الأولى للحادث المؤلم في الميدان الرئيسي للعاصمة، وقالوا إنهم لن يتوقفوا عن استخدام كل أساليب الاحتجاج حتى يعرفوا مصير أبنائهم.
وقالت «ماريا جيساس تلاتيمبا»، وهي أم لتلميذ مخطوف، لوكالة الأنباء الفرنسية: «لن نهدأ أبداً، وسوف نكون حصى في أحذيتهم، لن نعود إلى بيوتنا قبل أن يتحقق الهدف».
وصادف هذا الاجتماع المنظم من جانب ذوي المختفين اليوم الوطني للمكسيك، هذا البلد الغارق منذ وقت طويل في العنف والمخدرات وعمليات القتل الغامضة، والتي نادراً ما يتم الكشف عن سرّها الحقيقي. وحتى استناداً إلى المعايير المكسيكية في تقدير المواقف والحكم على الأمور، يمكن القول إن الأشهر الاثني عشر الماضية كانت تنطوي على الكثير من البؤس والتعاسة في المكسيك. وتأتي مشكلة الاختفاء الغامض للتلاميذ في مقدمة الأسباب، ثم تأتي مشكلة البحث عنهم أو عن جثثهم، وهي المهمة التي لا تقلّ غموضاً عن اختفائهم. وبسبب هذه المشكلة انخفضت شعبية «بينيا نييتو» وحكومته إلى الحضيض وخاصة بعد الكشف عن سلسلة من الفضائح السياسية والهروب الجماعي للمجرمين المحكومين من سجن «إيل شابوس» في 11 يوليو الماضي، ولقد جعل كل ذلك من العام الجاري عاماً مرعباً بالنسبة للمكسيكيين.
ومما زاد الطين بلّة أن المترشح الجمهوري للتسمية لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية «دونالد ترامب»، يتحدث عن المكسيك وكأنها تحولت إلى ورقة انتخابية مدسوسة في محفظته الملأى بالثقوب. فهو ينعتها بأنها أرض المخدرات والمهربين ومغتصبي النساء، وأنها هي وحدها المسؤولة عن الأمراض والعلل التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية.
وتعيش الولايات المتحدة حالياً أسوأ حالة من حالات انتشار وباء تعاطي الهيرويين، ومعظم كميات المواد المخدرة التي تملأ السوق الأميركية إنما تأتي من المكسيك. وفي المقابل، يؤدي تزايد الطلب الأميركي على المخدرات إلى تأجيج ظاهرة العنف في المكسيك. ويوماً بعد يوم، تزداد أعداد جثث القتلى الذين يتم العثور عليهم على جانبي الحدود المكسيكية الأميركية، إلا أن ظاهرة الاختفاء الغامض للتلاميذ تأتي لتلقي المزيد من الظلال السوداء على هذه الأحوال المزرية التي تعيشها المكسيك والتي يمكن أن ترتبط مباشرة بجارتها الشمالية. ويفترض تقرير نشر مؤخراً بأن حوادث الاختطاف والقتل يُعتقد أنها ترتبط بتغطية حكومية لعمليات سرية لشحن المخدرات إلى الولايات المتحدة.
ويمكننا أن نتخيل الحال التعيس الذي تعيشه المكسيك منذ أكثر من عام لو استعرضنا المشاكل التي تؤرق شعبها، مثل الاختفاء القسري والاعتقالات التعسفية والمظاهرات المتكررة التي لم تشهد لها البلاد مثيلاً منذ حقبة الستينيات، بالإضافة للتعذيب والفضائح السياسية والفرار الجماعي من السجون.وعلى الرغم من أن عدد المفقودين المسجلين رسمياً في المكسيك يزيد عن 25 ألفاً، فإن حادث اختفاء 43 تلميذاً بتاريخ 26 سبتمبر 2014، كان الأكثر إثارة للجدل والخوف والقلق. حدث ذلك قريباً من مدينة «إيجوالا» التابعة لولاية «جويريرو» وكانوا يركبون باصاً تعرض لعملية توقيف في منطقة معزولة من طرف رجال يرتدون زيّاً موحداً يُعتقد أنهم ينتمون إلى الشرطة الفيدرالية قاموا بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع عليهم واختطفوهم ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن. والغريب في الأمر أن محافظ المدينة وزوجته وقائد الشرطة اختفوا هم أيضاً منذ ذلك الوقت. ومرّ شهر كامل على هذا الحادث الغريب قبل أن تعلن الحكومة الفيدرالية عنه رسمياً. ولم يتم عقد الاجتماع بين الرئيس «بينيا نييتو» وعائلات المخطوفين إلا في أواخر شهر أكتوبر الماضي، بيد أنه لم يسفر عن أية نتيجة. ونقلت محطة «بي بي سي» التلفزيونية البريطانية عن أحد آباء المخطوفين قوله: «لقد قلنا للرئيس إننا لم نعد نثق بحكومته».

التعليقات معطلة