Feature

المستقبل العراقي /ابراهيم جاسم مهدي 
لم يختلف احترام اللسيد أبو باسل “53”سنه ،لأبويه منذ أن كان طفلا وحتى بعد أن تزوج وأصبح رب أسرة، فما يزال احترامه لوالده يأخذ شكلا خاصا؛ فهو لا يستطيع أن يدخن أمامه، ولا يمكن أن يجلس بحضرته إلا بكل احترام.
يقول أبو باسل “زرعت قيم الأخلاق والاحترام بنا منذ الصغر، وسعيت لترسيخها في أبنائي، لكنهم يصفون سلوكياتي تجاه والديّ بـ”دقة قديمة”، ولا يقتصر الأمر على السلوكيات والاحترام، بل ينتقدون ملابسنا، وطريقة تصفيف الشعر، وأذواقنا في اختيار البرامج على التلفاز، وغيرها العديد”.
ونرى في الواقع العديد من الأبناء متمردين على الواقع بكل أشكاله، رافضين كل شيء لا يتماشى مع زمنهم أو يحد من حريتهم، مراهقين وشبابا تربطهم بذويهم شعرة يتعاملون معها بذكاء، فحينما يشدها الأهل يرخونها، وعيونهم على وسائل أخرى للوصول إلى غاياتهم، ويظل صراعهم مع الأهل أزليا، لأنه صراع بين الماضي والحاضر.
ويرى فؤاد كريم (21 عاما) أن أهله “دقة قديمة” فما يزالون يحاسبونه على التأخير خارج المنزل، ويودون معرفة جميع أصدقائه.
ويقول “يصفني والداي بأني عديم المسؤولية، ويزعجهم بقائي بالبيت أمام الكمبيوتر، ويطالباني بالجلوس معهما بدلا من الأصدقاء، إلى جانب تذمرهم الدائم من الحديث على الهاتف النقال، لديهم أوامر يجب تنفيذها بدون مناقشة، متناسين أننا كبرنا، وأصبحنا متحملين مسؤولية أنفسنا”.
ويعد الشاب طلال غانم (18 عاما) نموذجا للمراهق المتمرد؛ بتسريحة شعره اللافتة، ولباسه الضيق، فهو لا يسمح لأهله التدخل في حياته وملابسه، لأنه على حد قوله قد بلغ سن الرشد، فهو ينظر للأهل على أنهم “دقة قديمة”، ولا يريدون مواكبة العصر الحديث أو التفاعل معه، ولكنهم دائما يحاولون التدخل في أموره بداعي الخوف من الرفقة السيئة.
ويقول “أستطيع اختيار أصحابي بطريقة صحيحة، بعيدا عما يخافه الأهل، فلماذا يستمرون بتوبيخي ومضايقتي بالأسئلة، والتحقيق في كل شيء، فملابسي وتصرفاتي لا تعجبهم كونها تماشي الموضة، فنحن نعيش العصر الحديث”.
ويعتقد الاختصاصي النفسي د. خليل العبيدي، أن المشكلة تكمن في عدم وجود صلات أسرية سوية، لأن الظن السائد هو أن الصلات تخلق نفسها، علما أن هذا الأمر كان ممكنا في الماضي وهذه الإمكانية زالت الآن لوجود تداخلات بين الأسرة الواحدة، تتمثل في وسائل الإعلام، والوسائط البصرية، والسمعية، وأيضا صحبة المدرسة.
ويوضح أن تغير العادات والتقاليد له أكبر الأثر في إحداث التغيير السلوكي لدى كل أفراد الأسرة، فنجد الأب منشغلاً في عمله أثناء النهار، والأم منشغلة أيضا بعملها أو بشؤون بيتها أو بمشاغل الحياة الأخرى، منوها إلى أن مثل هذه الظروف أوجدت عوامل حرمان عاطفي، وقطعت الصلات الشخصية بين أفراد الأسرة الواحدة، بالإضافة إلى جفاف نبع الحنان بغياب الجد أو الجدة، حينما غابت الأسرة الممتدة عن المجتمعات.
اما زينة اسماعيل،”22” سنه ، فتقول “تشعل والدتي حربا كلما ذهبنا للتسوق، لأن ما أختاره لا يعجبها ولا يقنعها، متناسية أن لكل زمان ملابسه، وموديلاته، فليس بالضرورة أن أكون نسخة طبق الأصل عن والدتي، وأكثر ما يستفزني الرقابة الشديدة التي تطرحها على بعض الأمور، مثل كثرة الحديث مع الصديقات، والانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”واتس اب” وغيرها”.
وهذا هو أيضا رأي علا عبد الرحمن، التي تقول “الفرق شاسع بين هواياتي، وما يفرضه أهلي علي، فلا تعجبهم طريقة اختياري لصديقاتي ولا لملابسي، ولا حتى نوع الموسيقى التي أستمع إليها، فهم يعتبرونها فارغة، علما أنني أعتبر الموسيقى لغة عالمية”، متمنية لو يشاركها أهلها السهر على التلفاز، ومتابعة الموضة، وهواياتها المختلفة التي دائما تواجه النقد منهم عليها.
ويرفض محمد سعود “24”سنة،تصرف والدته التي تقوم يوميا بالبحث في غرفته، ودولاب ملابسه، وأحيانا يدفعها الفضول إلى مراقبة (الهاتف النقال) وترد على المتصل، وينشب جراء ذلك العديد من الخلافات.
ويضيف “إضافة إلى رفض الأهل طريقة لباسي، وتسريحة شعري، وفي كل مرة أحاول إقناعهم بأنني أواكب الموضة، وبأن زمنهم غير زمننا، وأحاول كسب صداقة والديّ وتخفيف حدة غضبهما، إلا أنهما لا يتفهمان رغباتنا مطلقا”.
الاختصاصي الاجتماعي د. عبد المنهم صبيح، يذهب إلى أن الآباء يعانون كثيرا في سعيهم للتفاهم مع أبنائهم، ولفت تفكير أولئك الأبناء، وتفهم طلباتهم الكثيرة، وأسباب تذمرهم من كل شيء، مؤكدا أن الأهل لا يستطيعون أن يهضموا طلبات “جيل اليوم” التي لا تنتهي.
ويقول “نذكر نحن الآن كيف كان آباؤنا يشكون من أن جيلنا لا يسمع الكلام، ولا يراعي المشاعر، ولا يقدر تعب الوالدين، ولا يحترم الكبير أو يرأف بالصغير، ويقوم سلوكه على العناد والمماحكة، وهذا يدل على الفجوة بين الأجيال، والمنطق السلوكي، الذي لا يعرف الصغير مدى تطرفه، إلا عندما يكبر وينجب أبناء يعاندونه في كل شيء، وإن أخافهم أخفوا عنه كل شيء”.
والفجوة القائمة بين الأجيال حاليا، كما يقول، أكثر اتساعا وعمقا لاختلاف الأدوات المتاحة للأجيال الشابة والناشئة، فالكثير من الأبناء متصلون بمفردات تقنية معاصرة أوسع من تلك التي توافرت لآبائهم، ويتمتعون بالتالي بمدارك مختلفة، قد تفوق ما لدى والديهم

التعليقات معطلة