على مدى ثلاثين سنة، لم تغادر الحقيبة الدبلوماسية يدي، حتى أصبحت جزءا من شخصيتي، فهي رفيقة السفر في جولاتي الصحفية، احمل فيها ما تيسر حمله من ملابس بسيطة، وهي صديقتي في العمل الوظيفي، استعين بها على علبة السجائر والولاعة والنقود ومفاتيح البيت والأقلام والأوراق … ولي فيها مآرب أخرى!
مرة استأجرت سيارة (تاكسي) من منطقة الصالحية إلى المنزل، وفي الطريق ـ كما يجري عادة ـ تبادلت أطراف الحديث مع السائق، وقد شكا لي من متاعب صحية في المعدة، وحين سألته عن طبيعة تلك المتاعب وشرحها لي، قلت له (الأعراض التي تتحدث عنها، هي الأعراض ذاتها التي اعاني منها، وربما تكون بداية لقرحة المعدة)، استرعت ملاحظتي انتباهه، وسألني بنبرة تنم عن احترام كبير (دكتور .. الله يرضه عليك، شنو العلاج المناسب، تدري احيانا الوجع ميخليني أنام للصبح)، ضحكت وقلت له (العفو اخي … اني مو طبيب، بس على كل حال، اهم شيء بالنسبة للقرحة هو البهريز)، ثم نصحته بضرورة الإقلاع عن التدخين مباشرة، والامتناع عن تناول بعض الأطعمة، وبصورة خاصة التوابل، وفتحت حقيبتي وعرضت عليه نوعين من الأقراص، التي استعملها قبل الطعام وبعده، بناء على توجيهات الدكتور الاختصاص في مستشفى اليرموك، ونصحته بإلحاح أن يعرض حالته على الطبيب لأن كثيرا من الامراض، وخاصة أمراض المعدة والجهاز الهضمي تتشابه أعراضها!!
حين انتهيت من كلامي، سألني الرجل (جنابك وين تشتغل؟) قلت له : (انا اعمل صحفيا في احدى الجرايد)، ارتسمت على وجهة ابتسامة عريضة.. وقال لي (استاذ … اني اقصد بيا مستشفى تشتغل… يا جرايد … يا صحافة… الله شافوا بالعين لو بالعقل… كل هاي المعلومات وتريد تضحك علي وتسمي نفسك صحفي… يابه بشرفي انته طبيب ونص!)، وضحكنا معا، وأقسمت له أنني اعمل في الصحافة، غير انه لم يقتنع، لأن كلامي وهيأتي على ما يبدو، وحقيبتي الدبلوماسية بصورة خاصة، اوحت له أنني طبيب، بل أفضل طيب على حد تعبيره !!
كنا قد وصلنا الى المنزل، ودفعت له عشرة آلاف دينار، هي أجرة الطريق المتفق عليها، إلا انه اقسم بالطلاق ألا يأخذها (أستاذ … هذه أجرة الفحص … يعني الكشفية … وانت تستاهل اكثر ! )، وبذلت معه المستحيل لكي يأخذ الأجرة، واقسمت له الايمان الغليظة انني لست طبيبا، ولكنه اصر على موقفه (مستحيل دكتور، لان هذي كشفيتك، وهذا حقك، ثم انطلق بمركبته وهو يردد (ممنون منك دكتور … ألف شكر !)
بعد ثلاثة ايام فقط على الحادث، فوجئت بالسائق يطرق بابي عصرا، وما ان فتحت الباب حتى قال لي بدون مقدمات وبوجه عابس (راجعت المستشفى وبعد الفحص تبين عندي شوية سوء هضم بسيط، وماكو لا قرحه ولا هم يحزنون … رجاء رجع لي فلوس الكشفية، يعني الاجرة) ضحكت وأعطيته عشرة آلاف دينار وتوجه إلى مركبته، وقبل ان ينطلق قال لي: (حضرتك اذا صحفي .. شكو مسوي نفسك طبيب براس الناس)!!

