Pdf copy 1

ترددت كثيرا قبل أن احزم أمري واكتب ما يجول في خاطري حول واحدة من بين اهم واخطر القضايا التي عانينا منها وبسببها الشيء الكثير من الأذى والتعدي والتجاوز، رغم ما بنا وفينا من مصائب ومتاعب وما واجهناه من مصاعب ومشاكل.. تلك هي : علاقتنا بدول الجوار، وعلاقاتهم بنا..

العراق محاط بست دول وهي عربية واسلامية وتمتد علاقاته بها في عمق التاريخ كانت خلاله واقعة تحت سيطرته لأكثر من اربعة قرون بالتمام والكمال ما بين 130 ـ 656 هجرية 750 م ـ 1258 م وخضع العراق لحكم بني أمية في سوريا طوال 130 سنة وخضع لحكم الدولة العثمانية طوال خمسة قرون تقريبا وكذلك خضع لحكم الدولة الفارسية قبل الاسلام وبعده في فترات متقطعة وخلال قيام الدولة الصفوية في ايران.. ويلخص نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي الذي تولى رئاسة الوزارة اكثر من 14 مرة خلال الفترة من 1921 ـ 1958 واشتهر بحنكته ودرايته وكفاءته، وبانه هو الذي اخرج فكرة حلف بغداد الذي ضم “تركيا وايران وباكستان والعراق وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية” طبيعة وضع العراق بالنسبة للدول المحيطة به، بالقول “العراق يجاور دولتين قويتين طامعتين فيه، واربع دول ضعيفة خائفة منه… وما بين الطامعين والخائفين ضاعت إمكانيات وقدرات العراق في التقدم والرقي، من خلال الهدر المستديم لإمكانياته وقدراته في مشاكل جانبيه وتدخلات سافرة وتصدير لازمات ومشاكل من هذه الدول إليه”.

تلك هي الحقيقة المؤكدة، بيد ان الموضوعية تفرض عليه استثناء الأردن، ذلك البعد الذي امتحن في واحدة من أصعب واسوأ واخطر التجارب، تلك هي قيام ثورة 14 تموز 1958 وتعرض العائلة المالكة الهاشمية للقتل والسحل والتنكيل بلا جريمة اقترفوها ولا خيانة أقدموا عليها بل العكس هو الصحيح في تلك اللحظات والساعات والأيام، الصعبة والمؤلمة كان المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، يعمل بكل ما اؤتي من قوة وجهد من اجل دفع الخطر عن العراق، البلد الذي يرتبط مع الأردن باتحاد معلن ودولة اتحادية كونفدرالية معترف بها فرفض عروضا سخية للتدخل مؤكدا ان القرار في كل الأحوال هو قرار الشعب العراقي وليس من حق اي جهة أن تصادر هذا الحق.

كانت تجربة مؤلمة وقاسية، بيد انها كشفت معدن هذا الرجل الكبير في عواطفه والعظيم في فكره وعقله، صاحب بصر نافذ وبصيرة متفتحة رحبة.

لا أريد ان استرسل اكثر، لئلا يحسب ما اكتبه على محمل المجاملة رغم ان ما قلته حقيقة واقعة، وليس من طبعي ان أجامل احدا غير اني لا أنكر حقا ولا أسوق باطلا، وتلك هي إحدى متاعبي في الكتابة.

ثمة الكثير من الوقائع التي تتحدث وبوضوح وبصراحة وبتفاصيل مؤكدة عن موقف الأردن الداعم لسيادة ووحدة العراق أرضاً وشعبا، وتلك هي القضية الاكثر اهمية بالنسبة لي عندما أحاول تقييم موقف أيٍِّ من دول الجوار بالنسبة للعراق، فقضية ووحدة العراق أرضا وشعبا، هي القضية الأكثر أهمية بل هي الأهم بالمطلق.

في لقاء لي مع احد الشخصيات الأردنية النافذة على خلفية مؤتمر القمة العربية الأخير، جرى الحديث بيني وبينه سريعا قصيرا، غير انه غني بالعواطف النبيلة والمشاعر السامية يقول “من حق الإخوة العراقيين أن يحلموا بعراق قوي متطور متفتح باتجاه الرقي والسمو، امن مستقر ومستقل وموحد من حقكم أن يكون بلدكم قادرا على ان يعيد لكم الامل والمستقبل ويريحكم من تعب السنين العجاف عراق جديد يحقن الدماء الطاهرة ويوقف النزيف، عراق متسامح مع نفسه قبل تسامحه مع الآخر عراق جديد يسخر طاقاته البشرية وموارده الطبيعية للبناء وليس للدمار، للرفاهية وليس للبؤس للسلم وليس للحروب..

ومضى في حديثه وقد تصاعدت نبرات صوته حدة : 

“تأكد اننا في الاردن لن نسمح لانفسنا ولا لغيرنا في حدود ما نملك من قوة وقدرة ان تمس نبتة عراقية في فيافي او جبال او اهوار او وديان العراق ونبكي قبل ان يبكي طفل عراقي فقد أباه في الموت المجاني الذي يحصد الآلاف في غياب الوقفة العراقية الواحدة المترفعة على صغائر الخلافات والاختلافات المصدرة اليكم عبر الحدود من قبل الآثمين”، ويضيف قائلا : 

تاكد… كان يمكن ان يكون الاردن ساحة موت مجاني كارثي، لو لم تكن هناك عقول واعية، واخلاص حقيقي ثابت للوطن وحي مستديم للشعب، كنا احد اهداف مخطط اغراق الجميع في بحور من الدماء نعم ليس لدينا مشكلة مذهبية، ولكن لدينا تنوع ديني، وقد حاول الإرهاب الدخول من هذه الفجوة.. ولكن لحسن الحظ وجدها مغلقة بإحكام.. عصية على الاختراق وهذا ما ينبغي ان يكون في البلد الذي نحب ونعشق.

تلك هي الحقيقة التي تمثل جوهر الموقف الأردني حيال العراق.. موقف الشقيق المحب، والجار الراغب في التعاون البناء إلى اقصى حدود التعاون، بل هو ينشد اكثر من ذلك هو يريد ويرغب في ان يكون هناك جهد ستراتيجي مشترك يرسي قواعد وثوابت العلاقات بين البلدين على اسس ومعايير إستراتيجية تخترق حواجز الحاضر باتجاه المستقبل، حيث يلعب التواصل الأردني العراقي دور الجسر الذي تعبر عليه وبه ما تنتجه الوحدة الاقتصادية لدول شمال الخليج العربي من جهة.. ومن جهة أخرى أن يكون عمقا ستراتيجيا للعراق وان يكون العراق بعدا إستراتيجيا للأردن.. وبذلك تتواجد أرضية البناء المشترك لمستقبل واعد، تتكامل فيه ومن خلاله القدرات والإمكانيات خصوصا وان العراق في أمس الحاجة الى تعدد ونوع قنوات اتصاله بالبحار تجاريا ونفطيا تلك هي الحقيقة، تجاهلها او التقليل من شأنها او إدراجها في مرتبة متدنية في سلم أولويات العمل.. او وضعها في “خانة” العادي وليس “المهم” او “الأهم” يضر ضررا بالغا.. في المصالح الحيوية الآنية والمستقبلية للعراق وتاريخ العلاقة بين البلدين يؤكد هذه الحقيقة ويجسد جدواها وفائدتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودون الدخول في تفاصيل الفوائد الامنية والاقتصادية والسياسية التي تحققت للطرفين عبر هذا التعاون فان المنطق يقول في ضوء التحليل الواقعي لطبيعة المعاناة العراقية المتجسدة بالتدخل المباشر وغير المباشر السافر في الشأن الداخلي العراقي، ان الحدود العراقية الاردنية والعلاقات الأردنية العراقية كانت وما زالت، تبعث على الارتياح نتيجة ابتعاد السياسة الاردنية عن كل ما من شأنه التسبب في اثارة المشاكل او التأثير على سلامة نسيجه الوطني ووحدته الوطنية، في حين نجد الأمور عكس ذلك تماما بالنسبة للحدود العراقية السورية قبل عام 2011 والحدود العراقية التركية على مدى التاريخ المعاصر ومحاولات تركيا الرامية الى التدخل السافر في الشأن الداخلي العراقي ولديها أطماع معبر عنها عبر التصريحات والأدبيات والصحافة والإعلام، بل أن عددا كبيرا من الوزراء الاتراك وكبار المسؤولين، كثيرا ما هددوا بالغاء معاهدة عام 1926 ما يعني احتلال “ولاية” الموصل بكاملها “تدخل فيها كردستان وكركوك وربيعة وسنجار وغيرها والى ما يجاور حدود بغداد” اما ايران فان الاوراق فيما يتعلق بالعلاقات معها تختلط على نحو اكثر بكثير من اختلاطها على مستوى العلاقات مع تركيا فتركيا حاولت ولا زالت التأثير على عاملين اضيف لهما في الاونة الاخيرة عامل ثالث وهي: 

اولا : التركمان والضغط المستمر على جعل هذه الاقلية القومية المتآخية مع غيرها من القوميات المكونة للشعب العراقي ملاذا امن للسياسة التركية باعتبارها احدى اهم الأوراق.

الثاني: السنة.. في كل حين حاولت تركيا الاتكاء على السنة للاستقواء على مواجهة الشيعة باعتبار أن الشيعة حصة إيران. 

الثالث: بذلت تركيا جهودا غير طبيعية من اجل التدخل في الشأن الداخلي العراقي وهي تحاول حشد محاور وتحالفات في المنطقة تكرس ضد العراق والتشويش على دوره المحوري في المنطقة 

الرابع : توجهت تركيا وعلى نحو غير مسبوق للانفتاح على اقليم كردستان العراق فاتحة بذلك كل قنوات الاتصال والتواصل ليس حبا بالأكراد الذين تناصبهم العداء ولا تترك فرصة الا ونكلت بهم ووجهت حمم اسلحتها الفتاكة لتدمير وقتل الاكراد في الاراضي العراقية او في الأراضي التركية.

وعلى هذا المنوال.. مارست ايران انواع اساليب التدخل السافر في الشأن الداخلي العراقي وحاولت امتلاك العديد من الاوراق لعبت فيها بمهارة على حساب المصالح الحيوية للعراق شعبا ووطنا وهذا ما دفع الولايات المتحدة الاميركية الى جعل العراق مجرد محطة من محطات التواصل مع إيران، عبر عدة اساليب ووسائل مرئية وغير مرئية أما الأمر على صعيد العلاقات مع الكويت فهو في المحصلة النهاية لا يخرج عن هذا الإطار، إطار التدخل السافر والمستتر غير ان الوسائل والاساليب تختلف، رغم ان الاطماع التوسعية واردة وحاضرة بقوة على صعيد العلاقة بين البلدين والاسوأ من كل ذلك، ان الكويت التي تعرضت لعمل اجرامي من قبل صدام حسين دفع ثمنه، تماما كما دفع ثمن ما فعله الشعب العراقي من اضطهاد وعسف وإبادة جماعية تعاملت مع العراق وكأنه هو الذي فعل بها ما فعل، فلم يكفها انها كانت منطلقا لقوات الاحتلال واصطحبته لتعبث وتعيث فسادا بأمن وأمان العراق بل واصلت الضغط على العراق وعارضت خروجه من الفصل السابع وبالغت في التعويضات والديون التي اعطيت لصدام حسين من اجل ان يواصل حربه المجنونة على ايران ليدمر ايران والعراق في آن واحد ثم أخيرا وليس آخرا اقدمت على انشاء ميناء ليس الغرض منه غير تضييق الخناق على العراق الذي يعاني اصلا من اطلالة محدودة وضحلة وهي تطل على البحر بكامل حدودها وتملك عددا كبيرا جدا من الموانيء.

 اما السعودية فان لها شأن آخر اكثر خطورة واشد ضررا فالسعودية كانت طوال اكثر من 150 سنة تناصب العراق عداء مستحكما ينطلق من اعتبارات طائفية منحرفة، فقد شن الوهابيون غزوات منتظمة ومتواصلة راح ضحيتها اعداد غفيرة من العراقيين “شيعة وسنة” ومن مختلف المناطق العراقية الملاصقة للصحراء الغربية وعندما تاسس الحكم الوطني وقيام الحكم الهاشمي الملكي، تصاعدت حدة الاستفزازات السعودية ضد العراق ومارست شتى انواع الضغط والتآمر العلني والسري لاعاقة نهوض العراق وعندما اكتشف النفط في السعودية حاولت السعودية اغراء شركات النفط على تعمد ابقاء مستوى الانتاج العراقي من النفط، اقل من حاجة البلد المادية لتغطية متطلبات خطط الاعمار والتنمية والتطوير.

وبصرف النظر عن تاريخ طويل من المحاولات السعودية الرامية إلى الايقاع بالعراق والعراقيين واثارة النعرات الطائفية والعرقية، فان ما حصل منذ عام 2003 والى الوقت الحاضر يجعل السعودية واحدة من بين اشد البؤر إرهابية المصدرة للإرهاب والممولة له والمحرضة على الاستمرار به والمسوغة لممارساته بـ”الفتاوى” وبغيرها بالطبع لابد من الإشارة هنا الى موضوع العلاقة بين العراق وجيرانه، لم تصل الى ما وصلت اليه، بسبب الآخر التركي او الإيراني او الكويتي او السعودي او السوري، بشكل مطلق بل ان ثمة جزءا من المسؤولية يتحمله المسؤولون العراقيون الذين اظهروا الشيء الكثير من البلادة والجهل وضعف الشخصية وضيق الافق والاستقواء على الأخ في الداخل من خلال استخدام امكانيات وقدرات هذا الجار او ذاك..

يحدثني احد كبار الصحفيين العرب المحسوبين على السعودية ويعمل في احدى الصحف التابعة لها عن العلاقة بين صدام حسين والملك فهد والأمير عبد الله ولي العهد، وكذلك علاقة عزة ابراهيم بهما فيقول: كنت اسمع نكات وقفشات وحكايات مضحكة ومعبرة عن مدى ازدراء واحتقار الملك وولي عهده بصدام حسين وكيف انهما يتعمدان اظهار التبجيل والاحترام والتقدير له لإرضاء غروره وعنجهيته، بخلاف ما كانا يفعلانه مع عزة إبراهيم لانه كان عنيدا وشديدا ودقيقا لذلك فان أية قضية يكون فيها الطرف المفاوض عزة ابراهيم تتعقد وتتلكأ فيما لا يكون ذلك على مستوى العلاقة المباشرة بين صدام حسين والملك وولي عهده ومن هنا جاءت قضية الديون وقضية ” النصائح ” وعمليات التحريض و… “شيمة وخذ عباته”!!

ان الاستخدام الواعي والعقلاني لأساليب ووسائل التواصل الموضوعي المحقق للمنافع والمصالح المشتركة في إطار من الوضوح والصراحة والموضوعية هو الذي كان وما زال يمثل حاجتنا الملحة في التعامل مع الجوار وان لا نساوي بين من يسيء لنا وبين لم تبدر منه اية شائبة وليس في نيته ان يفعل ما يسيء لجواره ويتبنى سياسة عدم التدخل في الشأن الداخلي للآخر.. وله تاريخ ناصع البياض في اطار التعامل الثنائي.

التعليقات معطلة