على كثرة الذين جذبهم طابور الواقفين أمام باب السلطان، ودخلوا البلاط وقبلوا الأرض التي يمشي عليها وعلى كثرة الذين تغنوا بطوله وعرضه وطلعته وأفكاره وأفعاله وبطولاته، طلبا للدنانير والمكرمات، أو طمعا في الحصول على مركز مرموق، أو حفاظا على منصب لا يستحقونه، أو استجداء لوظيفة يحلمون بها، أو خوفا من تقرير مخبر سري أو حزبي حاقد لأسباب شخصية، وما بين هؤلاء وهؤلاء، فريق يمدح طوعا وإيمانا وقناعة إلا هذا الصديق القامة الفارعة من الإبداع، نأى بنفسه عن تلك الكثرة، ووقف صامدا في وجه الريح العاتية، لم ينحن له جذع ولم ينحرف بقلمه يوما الى غير وجهته قانعا بحياة الزهد وخشونة اللقمة، لا يلتفت الى رؤوس من حوله تنثر عليها دراهم الذهب بلا حساب وهي لا تستحق دراهم النحاس، ولم تسوّل له النفس ضعفا، او تشتهي طعام الأمير على ما فيها من جوع، وحاجة الى لحمة تسند القلب وترم العظم وتعافي البدن!!

كذلك أمضى الرجل سيرته، منذ خمسين أو يزيد من السنوات العجاف، منصرفا إلى كتبه وأوراقه ومراجعاته ومتابعاته، وهو في ذلك كله، قارئ نهم ومثقف موسوعي، ومبدع متعدد النواهب والمذاهب، كتب في النقد التشكيلي بحوثا ودراسات تعد مرجعا لا غنى عنه للمشتغلين في حقل الفن، وكتب في النقد الأدبي مقالات وآراء تعد مرجعا للعاملين في حقول الأدب، ونشر عبر رحلة العمر الطويلة دراسات بالغة الأهمية في ميادين الفكر والفلسفة، وأتحف المكتبة الثقافية بعدد من الروايات والمجاميع القصصية، ولم يكن أقل شأنا في رحاب الرسم، حيث أقام في داخل العراق وخارجه العديد من المعارض، لفتت إليها الأنتباه، وفوق هذا وذاك كان الرجل وما زال، علما بارزا من أعلام الصحافة العراقية، سواء في كتابة (العمود) أم التحقيق أم فنون العمل الصحفي الأخرى، بحكم ما يتمتع به من رشاقة الأسلوب وعمق الفكرة وجزالة اللغة.

الغريب إن هذا الإنسان المبدع، غير ميال إلى التذمر أو التشكي أبدا، على الرغم من ظروفه الحياتية الصعبة، وما عاناه من إهمال على مدى خمسة عقود، والأغرب إن الأبتسامة الوديعة لا تفارقه، و(النكتة) الساخرة حاضرة على لسانه ، ولعل من أطرف ما يحضرني هنا، إنني التقيته قبل بداية السنة الجديدة 2012 وسألته سؤالا عرضيا عابرا عن أمنيته للعام المقبل، فأجابني على الفور (أتمنى أن أموت!) ، ومثل هذه الإجابة المستفزة دفعتني إلى أن اسأله مجددا (لماذا؟) فرد علي وهو يضحك بسعادة غامرة: لعل الدولة (تتفطن) وتقيم لي حفلا تكريميا، أو تشمل أسرتي براتب شبكة الرعاية الاجتماعية!! 

التعليقات معطلة