تشد انتباهي دائما تلك التقاليد والمشاهد التي تتكرر في المباريات الدولية الساخنة في كرة القدم، بخاصة حين يتصرف النجوم الكبار إزاء اللعب الخشن والاحتكاك المتعمد بفروسية النبلاء ويردون على الخشونة بابتسامة، وحين تصدر منهم هفوات وأخطاء غير مقصودة يخفضون رؤوسهم أمام الحكم والجمهور احتراما وخجلا ويبادرون الخصم بالقبلات وليس باللكمات والكلمات الجارحة، وتكون ردة فعل الجمهور التصفيق لهذه الروح الرياضية السامية…!.
وكم تمنيت ان تنتقل هذه الروح الرياضية التي تحترم شروط ومعايير المنافسة الودية وتقبل النتيجة سواء بإحراز النصر او الفوز او الهزيمة الى نشاطاتنا الإنسانية الأخرى لنعبر من خلالها عن روح التسامح والمودة وتقبل الحقيقة والعمل الجاد للبدء بمحاولات جديدة قد تقودنا للفوز وتحقيق الآمال الشخصية او الوطنية باعتماد الروح الرياضية التي تحتم اعتماد واحترام آليات المنافسة بما في ذلك الاعتراض الودي وعدم النظر للأخر كخصم لابد من تدميره ومعاقبته كونه تسبب في هزيمتي والتفكير بأنني يجب ان أكون الأول بالاستحقاق او بطرق النفاق والاستحواذ، وهذه النظرية تعبر عن سلوك مريض وهي دكتاتورية تريد إلغاء الأخر وتحول مبدأ المنافسة الى حلبة صراع لا يخضع لمعايير أخلاقية وقواعد اللعبة، فنحن جميعا نعرف بان اخطر الألعاب بما فيها مصارعة الثيران برغم دمويتها فيها معايير بالرغم من أنها مصارعة بين إنسان وثور هائج…!.
نعم كنا نتمنى ان تسود الروح الرياضية بين قادة الكتل السياسية وهم يختلفون على تفسير مواد الدستور او تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث ومخصصات الإيفاد، وتنتشر هذه الروح في منافسات الحصول على مقاعد مجلس النواب وتمتد لتقبل النتائج العادلة للقبول في الدراسات العليا واحترام الجهات التي وفرت كل الأجواء لمنافسة علمية حرة وشريفة، فليس من سمات الروح الرياضية الاستعانة بالمليشيات وأبناء العشيرة لإلغاء نتائج الانتخابات او القبول لكي نؤمن مقعدا لابن العشيرة او المنتمي لهذه المجموعة او الطائفة والحديث عن معايير متخلفة لحسم المنافسات تتقاطع مع الدستور الذي يمنح الناس حقوقا متساوية استنادا لمفهوم جديد للمواطنة وليس للمحاصصة..!.
أما نحن فحكايتنا تثير العجب وتحدث بلا حرج فستجد غرائب تؤكد الروح العدائية حتى في التنافس على أشياء تافهة فأنت تكاد ان تنهال بالضرب على شخص سبقك بإيقاف سيارته في مكان تمنيت ان تشغله أنت فانتزعه منك واثار روحك البدوية للثأر والانتقام منه ومن عشيرته رغم ان مبادئ الأديان تبشر وتدعو للتسامح والتنافس، للأسف إننا لم نلمس تطبيقا لها إلا فيما ندر فألانا هي أولا بالحق او في الباطل ولا يعترف احد بهزيمته ويراجع نفسه ليحسن نتيجته مستقبلا او يجد خيارات اخرى يمكن ان تقوده للفوز بدلا من السعي المحموم بالتشكيك في الآخرين ومحاولات تسقيطهم وتسميم الأجواء بكل الطرق وتمتد هذه الظاهرة في حياتنا اليومية وتظهر في السياسة او حتى بين المتنافسين في لعبة الدومينو أو الطاولة والتي تنتهي بالغالب بالركلات وتبادل الشتائم ،ولعل الاستثناء الوحيد هو اشتداد المنافسة في رمضان في لعبة المحيبس والتي تنتهي دائما بأكل الطرفين والتهامهم لصينية او صواني البقلاوة بالتساوي، فمتى ندرك ان للمنافسة معايير وأخلاق يجب ان نعتمدها بديلا عن سياسة التشهير والانتقام ، وندرك ان الأمم التي سبقتنا وتقدمت علينا في المجالات كافة لأنها نجحت في نقل الروح الرياضية لكل مجالات الحياة وترفض بشده تصرفات الجمهور المتطرف الذي يثير الشغب كونه لا يعبر عن أخلاق الشعب، ولا يصح إلا الصحيح…!.

