• يسمونه: الشارع الشاهد..
ويعود سبب هذه التسمية لكونه كان حاضرا في كل المتغيرات السياسية التي مرّت على بلاده؛ من تظاهرات الى انقلابات الى محاولات اغتيال الى سرف دبابات الى انتفاضات الى استعراضات عسكر.
• ويسمونه: ابو الاربعة!!
فقد كان طول قامته اربعة كيلومترات؛ وفيه اربعة جوامع؛ واربع سينمات؛ واربعة مقاه؛ واربعة جسور!!
ومن جلالة قدره؛ يوم اراد ان يعدّل الوالي العثماني بعض مساراته (وهو من هو في زمن الامبراطورية العثمانية) احتاج الى أخذ موافقة العلماء ورجال الدين في المدينة؛ ويذكر من يؤرخون سيرته(الشارع وليس الوالي) ان تلك التعديلات قد اجريت بصورة مستعجلة خوفا من الغضب العام.
وحتى حين نسبه الوالي الى اسمه؛ ظل اهل مدينته ينادونه (الجادة العمومية) و (الشارع العام)..
حتى اذا رحلت ظلال الامبراطورية العجوز عنه؛ وانتهى انتداب من اعقبها؛ اطلق الاهالي عليه اسم: أهم خليفة من خلفاء عصور الامبراطورية الاسلامية؛ وكان يستحق التسمية؛ فإلى اليوم حين تذكر(العاصمة) يقفز اسمه قبلها على الالسن.
• في بدايات صباه؛ ويوم يمتلئ بالمطر ومنتج الشتاء؛ كان شبابه يهبّون الى حمل العابرين من المارة.. من والى جوانبه؛ فطينه الحرّي(كانت بعض مناطقه آنذاك مرصوفة بالطابوق) اقول: فطينه الحرّي يلصق بالملابس مثل ذكرى مؤجلة لا يطالها النسيان.
ومن طرائفه؛ حين استبدل عربات الخيول والحمير بأولى السيارات؛ احتاج قائد شرطة المدينة الاجنبي (كان الشارع قيد الاحتلال) الى تدريب بعض افراد الشرطة المحلية على آلية تنظيم السير؛ فوضع على اذرعهم (اكياسا بيض مخططة بالاسود) يتمندلون بها؛ فهم سادة الشارع الان ؛ وبإشارة من يدهم تقف حتى سيارات القائد المحتل؛ وكان ذلك مبعث فتنة وفخرا.
• مع بداية النهضة؛ اختار له المعماريون الوطنيون اجمل.. وارق.. واعذب خرائطهم؛ فتعالت افاريزه الشناشيل؛ وتغنّجت الشرفات الخشبية؛ والشرفات الحديدية؛ حيث النقوش؛ والأقواس؛ والزخارف؛ تعكس دقة الفن المعماري وجمال تشكلاته.
• ولكن ما الذي بقي من كل هذا التاريخ المهيب؟
سؤال موجع؛ فكما بدأ موسم الاغتيالات الوطنية، والسطو على الذاكرة وعلى التاريخ؛ هوجمت (العاصمة) في قلبها النابض؛ ووجّه الخراب اليها اصابعه السود الملوّثة؛ فأنكفأ الشارع على شناشيله؛ وحاول ان يتمسّك بعمارته الاصيلة.. بالاعمدة؛ وهيهات؛ فقد غلّفه– وغلّفها- الجشع بحجة التجديد؛ ولم يسمع احد نداء امانة عاصمته: نعم.. ولكن حافظوا على اصالته ولا تمسوا كبرياءه ؛ فلطالما كان عصيا على العثمانيين وعلى الانكليز وعلى الامريكان؛ ولا واحد سمع!!
• فلمن نقول ان هذه البهرجة والالوان البراقة وصفائح الالمنيوم والزجاج والبلاستك؛ موجودة في كل مدن العالم الهجينة؛ ولكن ولا مدينة في العالم تملك شارعا بفخامة عمرانه.
• ربما رئاسة البرلمان.. ربما رئاسة الوزراء.. ربما؛ لا ادري.. ولكن انهم يغتالون شارع الرشيد!!