Pdf copy 1

الباحث السياسي زمن رشيد
الحديث عن اليمن والسعودية ليس حديثاً عن جارين تحكمهما نواميس الدبلوماسية التقليدية بل هو تشريح لعقدة جيوسياسية وتاريخية يمتزج فيها الدم بالثروة بالجغرافيا بالهوية حيث يتواجه هواجس الأمن وصعود اقتصادي طموح لجار غني مع تاريخ متمرد وتضاريس معقدة لجار فقير مدجج بالسلاح ابتلعت أرضه الإمبراطوريات عبر التاريخ ولا يمكن فهم هذه الديناميكية دون النظر إلى الحدود المشتركة التي تمتد لأكثر من 1400 كيلومتر والتي تمثل خط تماس بين عالمين مختلفين بنيوياً لكنهما مرغمان على العيش معاً تحت سقف قدر جغرافي حتمي يفرض على الرياض رؤية اليمن كخاصرة رخوة وأمن قومي داخلي مباشر بينما يتشكل في الوجدان اليمني توجس تاريخي من هيمنة الجار الشمالي رغبة في الاندماج الاقتصادي معه وخوفاً على السيادة الوطنية في آن واحد ومع طول أمد النزاع العسكري الذي بدأ عام 2015 وتعاظم كلفته السياسية والاقتصادية تجلت واقعية سياسية جديدة لدى القيادة السعودية التي قدمت طموحات رؤية 2030 الاقتصادية كخط أحمر لا يستقيم مع غياب الاستقرار الإقليمي مما دفعها للانتقال الاستراتيجي من مربع السعي لإسقاط جماعة الحوثي إلى مربع الهندسة الدبلوماسية لسيناريوهات الخروج والاحتواء والجلوس المباشر مع سلطة الأمر الواقع في صنعاء لتقديم حوافز اقتصادية مقابل ضمانات أمنية مطلقة للحدود والعمق السعودي وهو مسار يصطدم بتشظي الداخل اليمني وتعدد شرعياته بين شمال حوثي عقائدي وجنوب انتقالي يطالب بالانفصال ومجلس رئاسي يعاني تباينات ولائحه الداخلية مما يضع المنطقة أمام معضلة شرعنة قوى السلاح أو المخاطرة بحروب أهلية متجددة وقد تضاعف هذا التعقيد مع تدويل الأزمة ونجاح الحوثيين في عولمة معركتهم بنقلها إلى خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مستغلين ملفات الإقليم الساخنة مما جعل واشنطن والعواصم الغربية في مواجهة عسكرية مباشرة معهم بينما تمارس الرياض سياسة المشي على حبل مشدود عبر الحياد الإيجابي والنأي بنفسها عن التحالفات العسكرية الغربية لحماية منشآتها الاقتصادية ومسارها الدبلوماسي الخاص لتبقى المحصلة النهائية لكل هذه التحولات هي حالة من السلم الهش أو هدنة المسكنات العظمى التي تضع المشهد أمام خيارين إما الاعتراف بالأمر الواقع وترك الداخل اليمني لتوازنات القوى العسكرية ونشوء كينونات مفككة وهو سلام مؤقت يحمل بذور انفجاره مستقبلاً أو التوجه نحو تسوية شاملة مؤلمة تتنازل فيها جميع الأطراف عن سقف مطالبها العقائدية والسياسية لصالح صيغة فيدرالية برعاية إقليمية ودولية وهي فرضية صعبة في ظل المعطيات الراهنة التي تؤكد أن السعودية تيقنت أن اليمن لا يمكن حكمه من الرياض وتيقن اليمنيون أن بلادهم لا يمكنها الاستقرار بمعاداة الرياض لكن بين هذين اليقينين لا يزال المشهد معلقاً على فوهة بندقية بانتظار ما ستحسمه الأيام المقبلة.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *