احمد سعدون الدراجي
في كل مجتمع يسعى إلى الاستقرار والتقدم، يبرز سؤال مهم: من يصنع المجتمع حقًا؟ هل هو القانون بما يفرضه من قواعد وعقوبات، أم الأخلاق بما تغرسه من قيم ومبادئ في نفوس الناس؟
لا شك أن القانون يمثل العمود الفقري للدولة، فهو ينظم العلاقات بين الأفراد، ويحفظ الحقوق، ويمنع الفوضى، ويعاقب من يعتدي على الآخرين. لكنه، مهما بلغت دقته وعدالته، يبقى عاجزًا عن مراقبة الضمائر أو فرض الفضيلة على الناس.
أما الأخلاق، فهي الرقيب الذي لا يغيب، والقانون الذي يسكن داخل الإنسان. فصاحب الخلق لا يكذب لأنه يخشى العقوبة، بل لأنه يؤمن بأن الصدق قيمة. ولا يعتدي على حقوق الآخرين لأنه يدرك أن احترام الإنسان واجب قبل أن يكون التزامًا قانونيًا. وهنا تتجلى قوة الأخلاق؛ فهي تصنع إنسانًا صالحًا حتى في غياب الرقيب.
إن المجتمع الذي يعتمد على القانون وحده سيحتاج إلى مزيد من المحاكم، والشرطة، والعقوبات، لأن الخوف من العقوبة قد يمنع الجريمة مؤقتًا، لكنه لا يغيّر النفوس. أما المجتمع الذي تتجذر فيه الأخلاق، فإن كثيرًا من القوانين تصبح نادرًا ما تُستعمل، لأن الناس يلتزمون بما يمليه عليهم ضميرهم قبل أن تلزمهم به النصوص.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية القانون، فالأخلاق وحدها لا تكفي إذا غابت العدالة أو استغل البعض حسن نية الآخرين. فالقانون العادل هو الضامن للحقوق، والأخلاق هي الحارس الحقيقي لاستمرار تلك الحقوق. إن العلاقة بينهما ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل؛ فالقانون يحمي المجتمع من الظلم، والأخلاق تحميه من الانحدار.
ولعل أكثر المجتمعات نجاحًا هي تلك التي تربي أبناءها على القيم قبل أن تعلمهم العقوبات، وتغرس فيهم احترام الإنسان، والأمانة، والإخلاص، والرحمة، وتحمل المسؤولية. فهذه القيم هي التي تصنع المواطن الصالح، وتخفف الحاجة إلى كثرة القوانين وتشدد العقوبات.
إن بناء مجتمع متماسك لا يتحقق بكثرة التشريعات وحدها، ولا بالشعارات الأخلاقية وحدها، وإنما بتكامل القانون العادل مع الأخلاق الرفيعة. فإذا كان القانون هو السور الذي يحمي المجتمع، فإن الأخلاق هي الأساس الذي يقوم عليه ذلك السور، وإذا انهار الأساس، فلن يصمد البناء طويلًا.
ولهذا، فإن المجتمع لا يصنعه القانون أو الأخلاق منفردين، بل يصنعه قانون عادل يحفظ الحقوق، وأخلاق أصيلة تهذب السلوك، وتغرس في الإنسان احترام نفسه واحترام الآخرين. فحين يجتمع العدل مع الضمير، يولد المجتمع الذي يستحق أن تعيش فيه الأجيال بأمن وكرامة.


لا يوجد تعليق