حسن منيمنة
أمام استمرار تضعضع صف المتنافسين للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة، وعدم تمكن أي من الوجوه السياسية المتوقعة من الخروج من هذا الصف نحو موقع طليعي واضح، تبقى الأضواء مسلّطة على أصحاب البروز في استطلاعات الرأي العام من «الدخلاء» على النشاط السياسي. وأبرز هؤلاء من دون شك هو دونالد ترامب، رجل الأعمال، الاستعراضي المشاغب، صاحب المواقف القطعية والاعتباطية، والذي لا يزال، على رغم امتعاض القيادة الحزبية، في المرتبة الأولى للاستطلاعات، وإن كانت نسب التأييد له إلى تراجع، يليه في المرتبة الثانية، وفي غير استطلاع، الجرّاح المتقاعد بن كارسون.
و «قصة» بن كارسون، أي سيرة حياته وسجلّه والتفاصيل التي ينسج منها صورته الإعلامية والسياسية، ليست سهلة التبيّن، ولا يبدو على أي حال أنها واحدة. فثمة اتفاق على ملامح الجانب الشخصي من حياته. فهو من مواليد ١٩٥١، نشأ في بيئة فقيرة، واعتنت بتربيته والدته بعد أن هجر والده الأسرة، ليحقق النجاح الدراسي، ويدخل إحدى أهم الجامعات في الولايات المتحدة وينال منها شهادة الطب، ثم يتخصص بالجراحة ويبرع، وينال الجوائز والتقدير، إلى حين قرّر التقاعد عام ٢٠١٣ ودخول المعترك السياسي. ولكن حتّى طرحه لهذه الملامح تجد من يعترض عليها من خلال الإشارة إلى تسويقه قصة «عزّ بعد فاقّة» لا تخلو من المبالغات.
فهل أن كارسون هو الطبيب الأسود الذي شاء أن يكون قدوة لشباب من عرقه لطالما كانت النظرة إليهم على أنهم غير قادرين على الإنجاز، أم أنه، كما يشير منتقدوه، جيّر أصوله العرقية وضاعف الجوانب المثيرة في حياته في إطار حملة دعائية تبدو هادفة، في الكثير من أوجهها ومساعيها، إلى الرئاسة؟ وهل هو، كما يشير مؤيدوه، عرضة لنقد حول استدعاء تفاصيل حياته في شكل لم يطل أياً من المتنافسين الآخرين، بحكم لونه الأسود؟
الواقع أن لون بشرة بن كارسون الأسود يعمل في خدمته، لا في اعتراض احتمالات فوزه. بل إن بروز هذا الطبيب الجراح في المحيط السياسي قد استفاد من دون شك من صورة «الأسود الذي يقارع الأسود»، يوم ألقى كارسون، بحضور الرئيس باراك أوباما كلمة سنة ٢٠١٣ في إطار «إفطار الصلاة الوطني»، وهو مناسبة دينية جامعة لمختلف التوجهات والعقائد للتأكيد على الدور المكمّل للإيمان الديني في الحياة الاجتماعية في الولايات المتحدة. ففي كلمته هذه، عبّر كارسون عن الرؤية المحافظة للقيم والأخلاق والأطر الاجتماعية في شكل يتعارض بوضوح وصراحة مع قناعات الرئيس وسياساته، منتقلاً مع أدائه هذا من خانة الرجل الأسود صاحب الإنجاز إلى خانة الناطق الفصيح بلسان التيار المحافظ. ولم يكن هذا الانتقال مصادفة بل كان خطوة صريحة وناجحة في مسعاه إلى إبراز شخصه كبديل حقيقي للنمط السياسي التقليدي.
وبالفعل، فكارسون يكرر القول في مناسبات عدة أن العمل السياسي في الولايات المتحدة، إذ يتسبب بنفور معظم المواطنين، قد يرتقي ويتحسن ما إذا خاضه أصحاب الكفاءات من العلماء والأطباء وغيرهم ولم يترك المجال حصرياً للسياسيين المحترفين. وهو غالباً في كلامه يشير إلى المنهجية العلمية التي يتوق إلى تطبيقها في الشأن العام.
لكن في حين أن كارسون بليغ وبارع في طرح العموميات، فإنه يبدو أقلّ تمكّناً في الأوجه التفصيلية لمختلف القضايا. بل إن عدم اطلاعه على قضايا ذات طابع شائع وعام هو أمر لافت في أكثر من موضوع. ولا شك في أنه تمكن من ارتياد حسن الظن والانطباع الحسن المتحقق في شأنه لدى الجمهور في تجنّبه الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي تكشف عدم معرفته بوقائع وتفاصيل، فيما هو يسعى إلى اكتساب بعض الاطلاع بين المناظرة والأخرى. لكن السؤال البديهي هو: هل من الممكن بالفعل الإحاطة بالشؤون السياسية برمّتها على وجه السرعة هذا؟ وفي حين أن معرفته بالقضايا الداخلية قاصرة، فإن متابعته للشؤون الخارجية تجاور المعدوم، إذا اعتبرت أجوبته المرتبكة والخالية من المضمون عن أسئلة بديهية دليلاً على الأمر. يذكر في هذا الصدد، كنموذج على غياب إلمامه بالمادة السياسية، جوابه حول ما إذا كان يثق بأن يتولّى الرئاسة مسلمٌ، إذ جاء ردّه، من وحي شعبوية يبدو خطابه متمرّساً فيها، بأنه لا يوافق على ذلك. ولكن سرعان ما أدرك الضرر الذي يتسبب به كلامه هذا، سواءً لجهة استهجان عموم الجمهور هذا الموقف الفئوي، أو لجهة عدم انسجامه مع الإطار الدستوري الراسخ في الولايات المتحدة، فكان لا بد له من التراجع والترقيع والتوضيح المزعوم. وربما ارتكب الإعلام بالفعل بعض التجني في الملاحقة التفنيدية لتفاصيل حياة بن كارسون، فحاسبه على أمور ثانوية غير ذات شأن، وإن تحت شعار تقصّي صدقيته. لكن هذا الإعلام كشف كذلك عن تناقضات في سلوك كارسون بين التزامه المعلن للأخلاقية الصرفة ومسايرته لمزاعم مشبوهة لأغراض تجارية. كما أن هذه الملاحقة أبرزت عمق القناعات الدينية لديه، وهو من أفراد الكنيسة السبتية، إحدى الكنائس الإنجيلية القائمة على انتظار المجيء الثاني للسيد المسيح، ما يثير الريبة في أوساط الكثيرين ممن يخشون أن تؤثر هذه القناعات على المسلك السياسي للرئيس العتيد. وبما أن الإنجيليين يشكلون الكتلة الناخبة ذات الوزن الشعبي الأبرز ضمن قاعدة الحزب الجمهوري، فإن فرص بن كارسون في الحصول على الترشيح لن تتأثر سلباً بالكشف عن هذه القناعات. لكن في ما يتعدى الترشيح الحزبي، فإنه يبدو خارج القناعات السائدة في عموم المجتمع والثقافة. فإذا ما تمكن، لصفات موضوعية لديه أو لغياب البدائل في الوسط الجمهوري، من الحصول على هذا الترشيح، فإن حظوظه في بلوغ منصب الرئاسة ضئيلة جداً. غير أن بروزه المستمر اليوم يشير بالفعل إلى خلل وضعف في صف الجمهوريين، يبدو معه، أقلّه الآن، أن فوزهم، بكارسون ومن دونه، ليس من الأمور المرتقبة.

