Pdf copy 1

المربي الحاج رحيم عبد الرزاق الاسدي
المقدمة
قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): (لا يتمّ عقل امرئ مسلم حتّى تكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقلّ كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب الحوائج إليه، ولا يملّ من طلب العلم طول دهره، الفقر في الله أحبّ إليه من الغنى، والذلّ في الله أحبّ إليه من العزّ في عدوّه، والخمول أشهى إليه من الشهرة. ثمّ قال (عليه السلام): العاشرة وما العاشرة! قيل له: ما هي؟ قال (عليه السلام): لا يرى أحداً إلا قال: هو خير مني وأتقى).
التأصيل الرضوي
هذا النص الرضوي الملكوتي من كنز الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) هو المعادلة العقلية العليا للسياسة الرشيدة: (العقل هو إدارة الحياة، تدبراً، وتفكراً، وتأملاً)، إذا كان العقل هو محرك الإدارة، فإن غياب هذه الخصال العشر من عقل رجل السياسة والمسؤول التنفيذي يعني تحول الإدارة إلى ملوكية مستبدة وجشع مدمر للبلاد والعباد.
الهدف من البحث:
تأصيل الخصال العشر للعقل المسلم كركائز استراتيجية لبناء (العقل السياسي الإداري) للدولة والمؤسسة، وبيان كيف يتحول كمال العقل الفردي إلى استقرار تنموي وسيادي للأمة.
التمهيد (الربط الواقعي والتنموي):
تُعاني الأنظمة السياسية والمؤسساتية في عالمنا المعاصر -وفي واقعنا العراقي والإسلامي المعاش خصوصاً- من أزمة حادة يُصطلح عليها في علم الإدارة بـ (أزمة القيادة النرجسية) أو (العقلية الأنانية للمسؤول)، عندما يفتقر الحاكم أو المدير إلى كمال العقل والاتزان النفسي، تتحول قراراته إلى أدوات لتضخيم الذات، والبحث عن الشهرة الإعلامية الزائفة، والتهرب من المسؤولية الخدمية، مما ينتج بيئة إدارية طاردة للكفاءات ومخربة للمال العام.
أما في الفكر السياسي لآل محمد، وتحديداً في الرؤية السيادية للإمام الرضا (عليه السلام)، فإن (السياسة هي المظهر الخارجي لكمال العقل)، العقل ليس أداة للمناورة والخديعة، بل هو جهاز التدبر والتفكر الذي يدير ملف الحياة عبر (10) خصال حاسمة، إذا توفرت في عقل القائد والموظف التنفيذي، صنعت بيئة حوكمة آمنة، مستقرة، تنموية، وبأعلى درجات النزاهة والرفق بالناس.
الخصال العشر لهندسة العقل السياسي والإداري:
• الخصلة الاولى: الخير منه مأمول (مبدأ صناعة الأمل والإنتاجية):
المفهوم التنموي: يجب أن يكون عقل المسؤول مصنعاً للحلول والمبادرات الإيجابية، بحيث يتوقع المجتمع والموظفون من دوائرهم ومؤسساتهم قرارات تخدم رفاهيتهم وعمارة بلادهم.
مفتاح الإدارة: (الإنتاجية التنموية)، تحويل المؤسسة الحكومية أو التعليمية من جهاز بيروقراطي معطل إلى مصدر للخير والخدمات المأمولة.
• الخصلة الثانية: والشرّ منه مأمون (مبدأ الأمان القانوني والسيادي):
المفهوم التنموي: تصفير استخدام النفوذ والسلطة للبطش، أو الانتقام، أو ابتزاز المواطنين وأصحاب المشاريع.
مفتاح الإدارة: (الحصانة الأخلاقية للقوة)، شعور المواطن بالأمان التام من جور السلطة، فلا يخاف من تزوير، أو رشوة، أو استغلال قانوني ضده.>
• الخصلة الثالثة: يستكثر قليل الخير من غيره (مبدأ تقدير الكفاءات ومشاريع المواطنين):
المفهوم التنموي: العقل السياسي الرشيد يعظم المبادرات الصغيرة للشباب والقطاع الخاص، ويشجع الموظفين المبدعين مهما كان حجم إنجازهم أولياً.
مفتاح الإدارة: (تحفيز الحاضنات التنموية)، الاعتراف بجهود الآخرين وبناء شراكة حقيقية بين الدولة والشعب لتكثير الإنتاج.
• الخصلة الرابعة: ويستقلّ كثير الخير من نفسه (مبدأ التواضع المؤسساتي ورفض الغرور):
المفهوم التنموي: مهما قدمت الدولة أو المؤسسة من مشاريع وخدمات، يجب ألا تقع في فخ (المنّ الإعلامي) أو التباهي الإنشائي، بل تنظر لإنجازاتها بعين التقصير مقارنة بحاجات الأمة.
مفتاح الإدارة: (التطوير المستمر – الطموح التنموي)، رفض القناعة بالإنجاز الحالي والسعي الدائم لتقديم الأفضل للمجتمع.
• الخصلة الخامسة: لا يسأم من طلب الحوائج إليه (مبدأ الاستجابة وحرب البيروقراطية):
المفهوم التنموي: سعة صدر المسؤول والموظف في استقبال المراجعين وحل مشاكلهم اليومية دون ضجر أو تسويف ومماطلة (المعاملة باچر).
مفتاح الإدارة: (إلغاء الحجب الإدارية)؛ جعل الأبواب مفتوحة إلكترونياً وميدانياً لاستيعاب حاجات الناس والطبقات الضعيفة وتلبية حقوقهم.
• الخصلة السادسة: ولا يملّ من طلب العلم طول دهره (مبدأ التطوير المعرفي ومواكبة الحوكمة).
المفهوم التنموي: رفض الجمود الإداري على الطرق التقليدية القديمة. العقل السياسي الرشيد يفرض التعلّم المستمر، وتدريب الكوادر، وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية.
مفتاح الإدارة: (المؤسسة المتعلمة المستدامة)، جعل البحث العلمي والتطوير الإداري محركاً أساسياً لصناعة القرار وصياغة خطط الإعمار.
• الخصلة السابعة: الفقر في الله أحبّ إليه من الغنى (مبدأ العفة المالية ومحاربة السحت):
المفهوم التنموي: ترفع المسؤول عن أموال الدولة؛ فنزاهته وعفته أغلى عنده من الثراء الفاحش القائم على الاختلاس، أو الرشوة، أو صفقات الفساد المشبوهة في الباطن العميق للدولة.
مفتاح الإدارة: (الحصانة المالية للذمة)، تقديم نظافة اليد والنزاهة الشرعية والوطنية على كل مغانم النفوذ الاقتصادي الجشع.
• الخصلة الثامنة: والذلّ في الله أحبّ إليه من العزّ في عدّوه (مبدأ الاستقلالية السيادية ورفض التبعية):
المفهوم التنموي: رفض الخضوع للإملاءات الخارجية أو المحاور الدولية الفاسدة التي تبتز الوطن في سيادته وثرواته من أجل بقاء المسؤول على كرسيه.
مفتاح الإدارة: (السيادة الوطنية الحرة)؛ الاعتزاز بالهوية الإسلامية والعلوية للبلد، والاعتماد على طاقات الشعب الداخلية بدلاً من الارتهان للأعداء المتربصين.
• الخصلة التاسعة: والخمول أشهى إليه من الشهرة (مبدأ العمل الميداني الصامت وإسقاط الرياء)
المفهوم التنموي: إسقاط ثقافة «الاستعراض الإعلامي (الشو والرياء)» التي ينشغل بها بعض المسؤولين اليوم، والتحول نحو العمل الميداني الصامت الذي ينعكس على حياة المواطن لا على شاشات التلفاز.
مفتاح الإدارة: (إدارة الأثر لا البريق)؛ قياس نجاح الوزير أو المدير بمدى عمارة الأرض ورضا الرعية الفعلي، وليس بعدد المعجبين والجيوش الإلكترونية المطبلة له.
• الخصلة العاشرة: الخصلة العاشرة وما العاشرة؟ بها نال السمو (رؤية الجميع أفضل منه):
المفهوم التنموي: وهي التاج الرضوي؛ حين يرى القائد أن كل مواطن يلتقيه هو أفضل منه في باطنه الشريف وسريرته، هذا ينهي تماماً داء الاستعلاء والغطرسة السلطوية>
مفتاح الإدارة: (الأنسنة المطلقة للقيادة)، التعامل مع أبسط مراجع ومعادلة المساواة ببروتوكول الاحترام الخالص، انطلاقاً من أصل (نظير لك في الخلق).
التطبيقات التنموية والواقعية:
إنزال على الواقع العراقي والإسلامي المعاش.
تفكيك هذا العقل الرضوي يضع حلاً جذرياً لأعقد ملفات الإدارة المعاصرة في بلداننا.
1. إصلاح عقلية الوظيفة العامة ومكافحة الاستعلاء: تفعيل خصلتي (لا يسأم من طلب الحوائج) ورؤية الآخرين أفضل منه، يمثل العلاج لـ (نرجسية المدراء والمسؤولين)، عندما يدخل الشاب الواعي إلى الوظيفة الحكومية أو الخدمية ويحمل هذا العقل، سيتحول إلى خادم حقيقي للمجتمع، تذوب على يديه بيروقراطية الدوائر الفاسدة وتتحسن إنتاجية المؤسسة.
2. مواجهة التبعية والفساد الاستثماري:
تطبيق خصلة (الذل في الله أحب إليه من العز في عدوه) و (الفقر أحب إليه من الغنى) يمثل الحصانة الفكرية والسيادية لـ (حماية العقود والموازنات الوطنية) من مافيات غسيل الأموال والشركات الأجنبية المشبوهة التي تحاول رهن مقدرات العراق والواقع الإسلامي بعقود إذعان جائرة تخدم مصالح فئوية ضيقة.
3. هندسة الطرح التوعوي لمدرستنا: خصلتا (لا يمل من طلب العلم) و (الخمول أشهى إليه من الشهرة) تفرضان على كوادرنا الميدانية الاستمرار في التطوير المعرفي وتجنب حب الظهور الشخصي. يجب أن نركز في إنتاجنا الحلقي على إبراز (الفكرة والمشروع التنموي العلوية)، ليكون الأثر شَاخصاً في عقول الشباب والجامعات، ونصنع نخبة (خاصة) صالحة تفكر بعقل رصين لتدبير ملف الحياة بكامل تفاصيله..

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *