هدى زوين
في الآونة الأخيرة، برزت ظاهرة تستحق التوقف عندها في المشهد الثقافي والإعلامي، تتمثل في إقامة مهرجانات ومؤتمرات تحت عناوين براقة، مع تقديم تكريمات وألقاب لشخصيات تُقدَّم على أنها بارزة ومؤثرة في المجتمع، بينما لا يملك بعضها حضورًا حقيقيًا أو معروفًا لدى الجمهور.
الأكثر إثارة للجدل هو ما يُتداول عن ارتباط بعض هذه الفعاليات بآلية تقوم على الدفع المسبق أو تمويل الحملات الإعلانية والترويجية للمؤتمر أو المهرجان، مقابل الحصول على التكريم أو اللقب أو الظهور ضمن قائمة الشخصيات المكرّمة.
المشكلة هنا لا تتعلق بفكرة التكريم بحد ذاتها، فتكريم أصحاب الإنجازات الحقيقية يمثل قيمة معنوية مهمة ويشكل حافزًا للمبدعين وأصحاب العطاء. لكن عندما يصبح التكريم مرتبطًا بالقدرة على الدفع، تتحول القيمة المعنوية إلى سلعة، ويصبح اللقب مجرد واجهة دعائية لا تعكس بالضرورة إنجازًا أو تأثيرًا حقيقيًا.
كما أن استخدام أسماء شخصيات عامة أو معروفة في الترويج لهذه الفعاليات قد يمنحها مصداقية إضافية، بينما يبقى السؤال الأهم: وفق أي معايير جرى اختيار المكرَّمين؟ وهل هناك لجنة مستقلة تقيّم الإنجازات، أم أن الأمر يرتبط بقدرة الشخص على تمويل الإعلان والمشاركة؟
إن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود مهرجان أو مؤتمر، بل تمتد إلى مفهوم المكانة الاجتماعية والمهنية. فعندما تتساوى قيمة صاحب الإنجاز الحقيقي مع شخص حصل على لقب من خلال الدفع، فإننا نوجّه رسالة خاطئة إلى المجتمع، خصوصًا إلى الشباب الذين يعملون سنوات طويلة لبناء مسيرتهم وإثبات جدارتهم.
ومن حق الجمهور أيضًا أن يعرف طبيعة العلاقة المالية بين الجهة المنظمة والمكرَّمين، وأن تكون هناك شفافية واضحة في مصادر التمويل، ومعايير الاختيار، وطبيعة الجوائز والألقاب التي تُمنح.
المؤتمرات والمهرجانات ليست مجرد منصات للصور والشهادات والاحتفاء الشكلي، بل يفترض أن تكون مساحات للمعرفة والحوار وتقدير التجارب الحقيقية. أما تحويلها إلى مساحة لبيع الألقاب أو صناعة نجومية مؤقتة، فهو يفرغ فكرة التكريم من معناها ويضعف ثقة الناس بالمؤسسات الثقافية والإعلامية.
المطلوب اليوم ليس إلغاء التكريمات، بل إعادة الاعتبار لقيمتها، ووضع معايير مهنية واضحة، وإعلانها للرأي العام، والفصل بين الرعاية الإعلانية وبين استحقاق التكريم.
فالتكريم الحقيقي لا يُشترى، والإنجاز لا يحتاج إلى لقب مدفوع كي يصبح إنجازًا.
والأهم من الشهادة التي تُعلّق على الجدار، هو الأثر الذي يتركه الإنسان في مجتمعه.


لا يوجد تعليق