طه حسن الاركوازي
الدولة لا تضعف فجأة ، ولا تنهار في يوم واحد . غالباً ما يبدأ الضعف من خلل صغير في الإدارة ، ثم يتسع مع سوء التخطيط والفساد ويتحول مع مرور الوقت إلى خلل مُؤسسي يصعب احتواؤه .
وحين يتراجع أحترام القانون ، وتصبح المصالح الخاصة الضيقة أقوى من المصلحة العامة ، ويشُعر المُواطن بأن مُؤسسات الدولة لا تعمل بالكفاءة والتخصص والعدالة نفسها تبدأ الدولة بخسارة أهم مصادر قوتها وهي ثقة المجتمع بالحكومة ومُؤسساتها .
وقد أدرك أبن خلدون مُنذ قرون :
“أن الدول تمر بمراحل من القوة إلى الضعف ، وأن الظلم والفساد والصراع الداخلي وسوء الإدارة وأستنزاف الموارد عوامل قادرة على إنهاك الدولة من الداخل” ، والقيمة الحقيقية لهذه الفكرة اليوم ليست في إسقاطها حرفياً ، بل في فهم قاعدة ما زالت صالحة وهي أن الدول تبدأ بالضُعف حين تتآكل مُؤسساتها قبل أن يظهر ضُعفها على السطح .
العراق اليوم لا يواجه أزمة واحدة يُمكن حلها بقرار مُنفرد ، بل منظومة مُتشابكة من التحديات “أقتصاد شديد الاعتماد على النفط ، جهاز إداري مُتضخم ، ضُعف في القطاعات الإنتاجية ، فساد يستنزف المال العام ، أختلالات في التخطيط ، وأزمات مُتكررة في الرواتب والكهرباء والمياه والخدمات ، فضلاً عن بيئة أمنية وسياسية وإقليمية شديدة التعقيد”. لكن المُشكلة الأخطر ليست في وجود هذه التحديات بحد ذاتها ، فكُل دولة تواجه أزمات ، وإنما في طريقة إدارتها ، فالدولة التي تتحول فيها الحلول الترقيعية المُؤقتة إلى سياسة دائمة ، وتتقدم فيها المُعالجة الآنية على التخطيط الاستراتيجي ، تجد نفسها بعد سنوات لا تدير الأزمات ، بل تُعيد إنتاجها .
وفي هذا السياق ، من الضروري التمييز بين نقد الحكومة ونقد الدولة ، فأنتقاد رئيس الوزراء أو الحكومة أو السياسات العامة متى التزم القانون والمسؤولية ليس إضعافاً للدولة ، بل جزء من الرقابة المُجتمعية وحق أصيل من حقوق المواطن .
أما التحريض والعنف والتهديد والتشهير المُتعمد ونشر الأكاذيب بقصد الإضرار بالأشخاص أو المُؤسسات ، فهي مسألة أُخرى تحكمها القوانين النافذة . وفي المقابل ، فإن الدولة تضعف هي الأُخرى عندما تُطبق القوانين بأنتقائية ، أو تتراجع هيبة المُؤسسات أمام النفوذ ، أو تصبح الكفاءة أقل أهمية من المحسوبية ، أو يتحول المال العام إلى مجال للمُساومات والمصالح ، فالقانون حين يكون قوياً على الضعيف وضعيفاً أمام صاحب السُلطة والمال والنفوذ فأنه لا يحمي الدولة ، بل يستهلك رصيدها الأخلاقي والمُؤسسي . وتجارب دول خرجت من الحروب والانهيارات والأزمات العميقة تقدم للعراق درساً بالغ الأهمية ، فالنهوض لا يبدأ بالموارد وحدها، وإنما بإعادة بناء مُؤسسات الدولة ، وإصلاح الإدارة ، وربط الإنفاق بالنتائج ، وتنويع الاقتصاد ، والاستثمار في التعليم والإنسان ، وأعتماد التكنولوجيا والحوكمة ، والأهم وجود إرادة سياسية تنظر إلى الدولة بأعتبارها مشروعاً وطنياً مُستداماً لا غنيمة مُؤقتة . ولهذا فإن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تتبادل الاتهامات ، ولا إلى حلول إسعافية تُرحل الأزمة من عام إلى آخر ، بل يحتاج إلى إعادة ترتيب أولويات الدولة ، حيثُ تبدأ بإصلاح الإدارة ، وتوحيد القرار المُؤسسي ، وتجفيف منابع الفساد ، وتعزيز أستقلال القضاء والرقابة ، وإصلاح القطاع المالية ، وتقليل الاعتماد على النفط عبر تأهيل القطاعات الأُخرى ، وتحويل الإنفاق العام من باب للاستهلاك إلى أداة للإنتاج والتنمية ، مع وضع خُطط أستراتيجية تتجاوز عُمر الحكومة والدورة الانتخابية ، فالمرحلة الراهنة تضع الطبقة السياسية والحكومة أمام أختبار حقيقي وهو هل تُدار الدولة بمنطق إدارة الأزمة ، أم بمنطق بناء الدولة .؟
أخيراً وليس آخراً … إن إنقاذ العراق لا يحتاج إلى مُعجزة ، بل إلى قرار سياسي واضح يجعل الدولة فوق الحزب ، والمُؤسسة فوق الشخص ، والقانون فوق النفوذ ، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الانتخابية . فالعراق يمتلك الثروة والموقع والموارد البشرية والخبرات التي تؤهله للنهوض من جديد ، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع دولة واضح تقوده إدارة وطنية كفوءة ومُتخصصة ، وتحميه مُؤسسات رصينة ، ويشارك المواطن في بنائه ، فالدولة القوية ليست التي تمنع النقد ، ولا التي ترفع صوتها على المجتمع ، وإنما التي تجعل القانون أعلى من الجميع ، وتمنح مواطنيها سبباً حقيقياً للثقة بها ، وحين تُصلح الدولة نفسها من الداخل ، وتستعيد هيبة مُؤسساتها وثقة مواطنيها يصبح إضعافها من الخارج أكثر صعوبة مهما كانت قُوة خصُومها …!


لا يوجد تعليق