سارة نيفيل
من تأييدها التجارة الحرة إلى دورها البارز في حركة إعطاء المرأة حق الانتخاب، مانشستر، في شمال إنجلترا الصناعي، تملك تاريخا مُشرّفا في قلب المعتقدات التقليدية. الآن هي في طليعة نوع مختلف من الثورة بسبب مرحلة من التقشف أدت إلى تحفيز موجة من التفكير الجديد بشأن حدود الدولة البريطانية. في الوقت الذي يحتار فيه قادة القطاع العام بشأن كيفية تقديم مزيد من إيرادات الضرائب المتراجعة، فإن دائرة الإطفاء في مانشستر الكبرى ترسم طريقاً للإصلاح.
ستيف ماكجويرك، كبير مسؤولي دائرة الإطفاء السابق في المدينة، اعترف قبل عقد من الزمن بأن الطلب على خدمات الدائرة كان يتغيّر بشكل كبير. أجهزة استشعار الدخان والمباني الأكثر أمناً خفّضت من عدد الحرائق التي كان يتم استدعاء ضباطه لمكافحتها. في الوقت نفسه، سكان المدينة المتقدمون في السن كانوا يخلقون ضغوطا مختلفة للغاية.
واجه ماكجويريك معارضة نقابة العمال لإجراء تغييرات كبيرة في الطريقة التي يؤدي بها الموظفون عملهم، من خلال تفكيك الأقسام الجامدة وتوزيعها على أجزاء القطاع العام المختلفة.
النتيجة؟ لم يعُد رجال الإطفاء يدخلون المنازل ببساطة لإخماد النيران، أو حتى تقديم المشورة حول كيفية تجنبّها. بدلاً من ذلك، يتولّون مهمات منع الجرائم، وتكييف المنازل لضمان أن كبار السن أقل عُرضة للسقوط، والاستجابة للمكالمات حول النوبات القلبية – وهو ما يخفف الضغط على خدمة الصحة الوطنية.وتُشير البرامج التجريبية إلى أن “فِرق التدخل في الخطر الجماعي” متعددة التخصصات هذه تُحقّق مدّخرات تساوي عشرة أضعاف قيمة الاستثمار البالغ مليون جنيه. لكن ماكجويرك يشعر بالقلق من عدم وجود مهمة مدفوعة من الحكومة لإعادة تشكيل الدولة، من خلال إنهاء ما يرى أنه نهج قائم على الفصل غير الكافي للخدمات العامة.
في الوقت الذي تصبح فيه بريطانيا دولة أكبر سنا وأكثر بدانة، فإن الطلب على الخدمات العامة لم يكُن أبداً بهذا الحجم الكبير. لكن الملكة فكتوريا كانت ستجد أن الطريقة التي يتم بها تنظيم القطاع العام اليوم مألوفة لديها، على اعتبار أن كثيرا من هيكلته يعود ليس فقط إلى ما قبل عصر الإنترنت، لكن أيضاً ما قبل عصر السيارات.
تم إنشاء جهاز منفصل لقوات الشرطة والإطفاء في العشرينيات من القرن التاسع عشر. حتى قبل ذلك، انفصل الجراحون عن “العطّارين” – المهنة السابقة التي هي أصل مهنة الطب العام اليوم – في ترسيم حدود لا يزال يؤثر في الطريقة التي تعمل بها خدمة الصحة الوطنية.
يقول ماكجرويك “هذا يتطلّب أكثر بكثير من مجرد إخراج المال من النظام. يجب أن تتغير المؤسسات والهيكلة وأنا لا أستطيع رؤية أي تفكير على الإطلاق بمستوى أعمق بشأن كيف سيتم تحقيق ذلك”.
تعديل الخطة
في أنحاء المملكة المتحدة كافة، تخفيضات ما بعد الأزمة أجبرت الحكومات المحلية على العمل بأقل التكاليف. وعلى الرغم من قرار جورج أوزبورن، وزير المالية، الأسبوع الماضي الابتعاد عن التخفيضات الأعمق بكثير، إلا أن سياسة التقشف تم تعديلها فقط، وليس التخلّي عنها. ووفقاً للخطة المالية التي تم الكشف عنها في مراجعة الإنفاق، لا تزال هناك عشرة مليارات جنيه من الإنفاق اليومي على الخدمات العامة ستتم إزالتها على مدى الأعوام الأربعة المُقبلة. وقد يضطر البريطانيون الذين اعتادوا على فكرة دولة الرعاية الشاملة “من المهد إلى اللحد” إلى تعديل توقّعاتهم لما ستقوم حكومتهم بتوفيره.
منذ عام 2010، عندما تولّى الائتلاف بقيادة حزب المحافظين السلطة، شاركت المملكة المتحدة في واحدة من الممارسات الأكثر شمولاً لتخفيض العجز في العالم. وعلى الرغم من ذلك، لم يكُن هناك أي تفكير جماعي بخصوص هدف أو نطاق الدولة، باستثناء الأولويات الضيقة التي تتدفق من انخفاض الموارد. “الرعاية الصحية والأمن، المحلي والخارجي على حد سواء، والتعليم” هي الطريقة التي لخّص بها أحد مستشاري الحكومة تقلّص دور الدولة تحت قيادة ديفيد كاميرون.
في وقت سابق من فترة ولاية الائتلاف نشر أوزبورن وثيقة تحثّ الوزارات على النظر فيما إذا كان كل نشاط قامت به كان “ضرورياً لتلبية أولويات الحكومة”. ينبغي أن يسألوا “هل الحكومة بحاجة إلى تمويل هذا النشاط”؟
مع ذلك، قبل مراجعة الإنفاق الأسبوع الماضي لم يتم تشجيع أي موجة مماثلة من إعادة النظر من قِبل وزارة المالية.لقد قرّر كاميرون الذي تحرّر من قيود الائتلاف بعد الفوز بالانتخابات العامة في أيار (مايو)، ووزير ماليته الذهاب إلى أبعد مما كان مطلوباً منهما، ليس فقط بهدف تحقيق توازن الحسابات، لكن أيضاً لتحقيق فائض بحلول عام 2020.
لكن بطرق أخرى، نهجهما هو أقل عقائدية مما يُمكن توقّعه من حزب يتبنّى حكومة أصغر. أي طموح لتطوير وجهة نظر مقننة حول ما ينبغي أن توفّره الدولة – والوظائف التي ينبغي تسليمها – قد تضاءل قبل أعوام، وخرج عن مساره بسبب الجدل حول خطة “المجتمع الكبير” الخاصة بكاميرون، وهي خطة لحشد الجمعيات الخيرية والمُتطوّعين لتقديم الخدمات العامة. يقول أندرو هالدينبي، رئيس “الإصلاح”، المؤسسة الاستشارية المؤيدة للسوق “على الرغم من تقليص حجم الحكومة، إلا أن ذلك ليس بسبب خريطة طريق أيديولوجية. إنها القوة القاهرة للمال”.
هذا، كما يُشير، يتناقض مع حكومات حزب العمال برئاسة توني بلير وخلفه، جوردون براون، الذي شرع في حملة مُتعمّدة لإصلاح الخدمات العامة من خلال مزيج من التنظيم والتحرير. وواحدة من أبرز تجاربهما كانت زيادة دور القطاع الخاص في الرعاية الصحية.
في عهد كاميرون، اعتمدت الخدمات العامة مجموعة من الطُرق التي أملاها جزئياً الشح الذي كانت عليه مُخصصات الميزانية الخاصة بها. ما يدعم هذا عملية معروفة باسم التفويض – الانتقال إلى اللامركزية في مجال الإنفاق العام من خلال نقل الصلاحيات إلى هيئات عامة حصلت فيما بعد على حرية أكبر بخصوص ميزانياتها.
نقل الوزراء السلطة على التنمية الاقتصادية وضبط النظام والتعليم والضرائب الحكومية المحلية بحماس أكبر بكثير مما كانوا عليه في حكومات تاتشر أو بلير. ولا يزال هناك كثير مما هو مركزي، مثل أجور القطاع العام، لكن هالدينبي يقول “بأخذ كل شيء في الحسبان، كان ذلك بمثابة برنامج تقشف محلي”.
صفقة ملتبسة
أحد المسؤولين في وايتهول وصف هذا بأنه واحدة من “الصفقات الكبيرة لهذه الحكومة: تبادل السلطة مقابل قليل من المال”. التغيّرات أيضاً تجذب اهتمام الدول الأخرى التي تُعاني ضائقة مالية.
بعض قوات الشرطة أقدمت على التخفيض بطريقة أشدّ وأسرع مما احتاجت ـ كانت حريصة على ممارسة الحريات الجديدة التي تسمح لها بإعادة استخدام المُدّخرات بطرق أخرى.يقول أحد المسؤولين السابقين في داونينج ستريت الذي راقب العملية مباشرة “أحد أكبر الدروس من عام 2010 هو: حين تفوِّض صلاحية خفض النفقات كان يغلب عليها أن تُنجَز، وعندما تُبقيها في وايتهول كان يغلب عليها ألا تُنجَز”.
ويُضيف المساعد السابق لرئيس الوزراء أن “هذا هو السبب في كون أجندة اللامركزية لا تزال تحظى بشعبية في وزارة المالية”. أدرك السياسيون وموظفو الخدمة المدنية “أن هناك أشخاصا موجودين يبدو أنهم يريدون رفع المشكلات عن عاتقك. وهذه ديناميكية جديدة”. الدولة الأصغر التي حلمت بها مارجريت تاتشر قبل 40 عاماً، بدأت تتشكل – لكن من أسفل إلى أعلى، بدلاً من الإملاء والتوجيه من المركز. في تطوّر تاريخي لافت للانتباه، كان قرار أوزبورن التخلّي عن صلاحيات المركز – إلى السلطات المحلية ذاتها التي لم تثق بها تاتشر وحرمتها من السلطة – هو الذي بدأ يُحقق الأمر.
تبنّي أوزبورن الحماسي أجندة التفويض جعل مُدنا، ولا سيما مانشستر، تُسيطر على ميزانياتها الكبيرة فيما يتعلّق بقطاعات مثل الرعاية الصحية والاجتماعية، في تحدّ للهياكل الحاكمة التي ترتكز في إنجلترا، المرتكزة على لندن. ويُعبّر بعض السياسيين المحليين، في محافلهم الخاصة، عن القلق من أن نظراءهم الوطنيين يسعون إلى الاستعانة بمصادر خارجية ليس فقط بالنسبة إلى ألم تقليص الدولة، لكن أيضاً إلقاء اللوم.
كريس هام، الرئيس التنفيذي لصندوق كينجز، الشركة الاستشارية في مجال الرعاية الصحية، يُشير إلى أن مبادرات حقبة حزب العمال لمزج مصادر تمويل مختلفة وتفويض مزيد من المسؤولية إلى المناطق المحلية “ظهرت عندما كانت الأموال لا تزال تتدفّق”. في المقابل، اهتمام وزارة المالية ظهر “حين كانت الأموال شحيحة”، الأمر الذي يُثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا “يتعلقّ بتفويض اللوم والمسؤولية بالنسبة إلى قرارات صعبة للغاية تتعلّق بالإنفاق”.
الاستياء بين الناخبين يُمكن أن يظهر إذا أدت خطوة تجاه مزيد من جمع الإيرادات المحلية إلى تغيير الإجماع الذي بُنيت عليه تسوية الرعاية الاجتماعية ما بعد الحرب: الجميع يدفع إلى النظام الضريبي المُتناسب للحصول على الخدمات المشتركة. المناطق الأكثر ثراءً ستجد من السهل جمع أموال إضافية من أجل وسائل الراحة، مثل الرعاية الاجتماعية والشرطة. الإيرادات الضريبية من الشركات ستكون أيضاً في بعض الأماكن أكثر وفرة من غيرها، الأمر الذي من المحتمل أن يؤدي إلى تفاقُم أنماط الحرمان.
جون هيلز، أستاذ السياسة الاجتماعية في كلية لندن للاقتصاد والمختص في دولة الرعاية الاجتماعية، يُشير إلى أن هذا يُهدّد “بإنشاء فخ من النوع الذي نراه في تمويل المدارس في الولايات المتحدة، حيث يتم تمويلها محلياً وإنفاقها محلياً، وبالتالي، المنطقة الغنية في الولايات المتحدة تستطيع تحمّل إنشاء مدرسة محلية جيدة جداً والمنطقة الفقيرة لا تستطيع. ويُضيف “هناك جميع أنواع الآليات التي تُعزّز “عدم المساواة” على أي حال (…) فهي تتحوّل تماماً إلى درجة كبيرة جداً إذا حدث هذا”.السؤال هو ما إذا كان تسريع هذه الأجندة سيسمح للوزراء بالحفاظ على نهج عدم التدخل في التخفيضات.
كثير يتوقف على رد فعل الجمهور على خمسة أعوام أخرى من الاستنزاف، حتى إن كانت أقل حدّة من تلك التي سبقتها. وتُشير استطلاعات الرأي إلى أن بريطانيا لم تتأثر نسبياً من عاصفة تخفيضات الإنفاق. بين بايج، الرئيس التنفيذي لشركة إبسوس موري، يقول “إن أقل من واحد من أصل أربعة بريطانيين يخبرون الباحثين بأنهم تأثّروا بشكل كبير من تخفيضات الإنفاق – بانخفاض عن الثُلث في عام 2012 – الأمر الذي يُشير إلى أن الدولـــة تُصبح “مُحصّنــة” ضد التقشــف”.
تجربة هامبستيد
مع ذلك، هذا الأمر قد لا يدوم. يُثير بايج احتمال “التباطؤ” باعتباره استجابة متأخرة للتخفيضات المتراكمة. وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن أكثر من 40 في المائة من البريطانيين يعتقدون أن الخدمات العامة أصبحت أسوأ على مدى الأعوام الخمسة الماضية، ووصل القلق إلى مستويات قياسية بخصوص مستقبل خدمة الصحة الوطنية.
هذا المزاج العام الأكثر قلقاً واضح حتى في هامبستيد، إحدى أغنى الضواحي في لندن، حيث تجري تجربة غير مُحتملة في اقتصاد التقشف.
جيسيكا ليرمود ـ كريكوي، الفزعة من سلسلة جرائم تعرّض خلالها السكان للهجوم في وضح النهار من قِبل لصوص، قرّرت اتخاذ نهج جذري لحماية الخدمات.
هذه المحامية العمالية، المُقيمة منذ مدة طويلة في المنطقة المحبوبة، عملت على “حشد تمويل جماعي” يزيد على 65 ألف جنيه من السكان المحليين لتمويل ثلاثة من رجال الشرطة الإضافيين بدوام كامل لمدة ثلاثة أعوام، مع هدف جمع 600 ألف. إذا تم تنفيذ المُخطط، فإن شرطة العاصمة ستوفّر تمويل ثلاثة أعوام أخرى. وتقول “إن الأمر يشبه فكرة: اشترِ واحدة، واحصل على الثانية مجاناً”.بعض سكان المنطقة التي معدل الجرائم فيها من بين الأدنى في العاصمة، رفضوا المساهمة من مُنطلق قلقهم من فكرة دفع الأغنياء تكاليف الخدمات التي ينبغي أن توفّرها الدولة.تقول ليرموند ـ كريكوي “لكنني أعتقد أنه عندما يُقدّم الناس هذا الرأي حول الغني والفقير و(الأخلاقي وغير الأخلاقي)، فإنهم لا يفهمون ما سيُصيبهم. الناس لا يفهمون كيف ستكون آثار هذه التخفيضات”.تراجع أوزبورن الأسبوع الماضي عن التخفيضات الكبيرة في ميزانيات الشرطة، الأمر الذي وفّر بعض الطمأنينة. لكن التبرعات لا تزال تأتي.تُضيف ليرموند ـ كريكوي “علينا أن نتحمّل بعض الركود في تخلّي الدولة عن الرعاية التي كانت تتولاها عنا تقليدياً”.

