توبياس باك
مر أسبوعان منذ أن عقدت إسبانيا الانتخابات العامة، ولكن الأمر بالنسبة لبيدرو سانشيز، معركة من أجل البقاء السياسي ما زالت في بدايتها.
في الوقت الذي تجري فيه المحادثات حول تشكيل الحكومة المقبلة، يجد زعيم الحزب الاشتراكي الإسباني نفسه تحت ضغط عنيف من خصومه السياسيين في كل من اليسار واليمين. في الوقت نفسه يمر حزبه بحالة من التمرد شبه المعلن. استغل بعض الأباطرة الإقليميين الأقوى في الحزب الاشتراكي هذه اللحظة من الضعف لتقديم عرض شبه مكشوف للقيادة. والأسوأ من ذلك، يبدو أنهم يبذلون قصارى جهدهم لضمان دخول سانشيز المحادثات السياسية في حالة ضعيفة لدرجة أنه لا بد أن يفشل.
كل ذلك يشكل “مشهدا يرثى له”، كما اعترف باتكسي لوبيز، وهو مسؤول كبير في الحزب، للإذاعة العامة هذا الأسبوع.
مأزق سانشيز هو حلقة واحدة من عقدة سياسية معقدة إلى حد بعيد، من المتوقع أن تستغرق من قادة الحزب أشهرا لتفكيكها ــ إذا كان يمكن تفكيكها أصلا.
تركت انتخابات 20 كانون الأول (ديسمبر) البرلمان الإسباني مجزأ للغاية، مع عدم وجود مسار واضح نحو حكومة مستقرة. بالنسبة لبلد ــ ومجتمع أعمال ــ يتمتع بعقود من الحكومات الصلبة والأغلبيات القوية، كل ذلك يعد منطقة غير مألوفة للغاية.
بعض مشكلات سانشيز بشكل واضح هي من صنعه. في الشهر الماضي، قاد الاشتراكيين إلى أسوأ نتيجة لهم في التاريخ الحديث، والفوز فقط بـ 90 مقعدا في البرلمان من أصل 350 مقعدا.
في غضون انتخابين فقط من الانتخابات العامة، انهارت حصة الحزب من الأصوات من 44 في المائة إلى 22 في المائة. خلال تلك الفترة، رفض أكثر من ستة ملايين ناخب مساندة الحركة السياسية الفخورة، التي كانت ذات مرة تعتبر الحزب الإسباني الطبيعي للحكومة.
الزعيم الاشتراكي، الذي هو أصغر بكثير ــ والأصلح للعرض بكثير ــ من سلفه، وعد الناخبين بقطيعة مع الماضي، وبداية جديدة للحزب الذي لا يزال كثير من الإسبان يلقون باللوم عليه بسبب الأزمة الاقتصادية الأخيرة.
لقد حاول تقديم الحزب الاشتراكي على أنه بديل جدير بالثقة لكل من الحزب الشعبي الحاكم ولحركة بوديموس الناشئة لمكافحة التقشف. في نهاية المطاف، فشل في وقف تراجع يسار الوسط.
ومع ذلك، رغم جميع متاعبه الانتخابية، يجد الحزب الاشتراكي نفسه الآن في وضع متناقض لحيازة مفاتيح السلطة. بدون أصواتهم في البرلمان، فإنه سيكون من المستحيل تشكيل حكومة جديدة. لسوء حظ سانشيز، من الصعب أن نرى كيف يمكن لحزبه أن يستفيد من هذا الموقع المتميز: يمكن للاشتراكيين إما الانضمام إلى تحالف الوسط الواسع تحت قيادة الحزب الشعبي، وإما محاولة تشكيل ائتلاف يساري يضم حزب بوديموس.
أحد المسارين يبدو غير وارد مثل الآخر، وكلاهما مليء بالعقبات والمخاطر. ومن شأن اتفاق مع الحزب الشعبي الحاكم أن ينفِّر يثير استياء كثير من الناخبين الاشتراكيين، وضمان أن حزب بوديموس قد يدعي العباءة كزعيم للمعارضة.
الوقوف إلى جانب حزب بوديموس قد يزعزع ناخبي الوسط ويستثير صيحات الصدمة من مجتمع الأعمال في إسبانيا.
كما يقول أندريس أورتيغا، المحلل السياسي الذي عمل مستشارا للحكومة الاشتراكية السابقة: “إنهم في موقف مستحيل جدا”. ويضيف: “إذا عقدوا صفقة مع حزب بوديموس، فإنهم يفقدون نصف ناخبيهم. وإذا توصلوا إلى اتفاق مع الحزب الشعبي، فإنهم يفقدون النصف الآخر”.
كذلك فإن عدم فعل شيء ليس خيارا آمنا أيضا. حيث إن الزخم كان يتأرجح نحو حزب بوديموس في الأيام الأخيرة قبل انتخابات كانون الأول (ديسمبر) الماضي، هناك مخاطر كبيرة من أن اقتراعا ثانيا سيشهده الحزب الناشئ، وهو يتجاوز الاشتراكيين باعتباره القوة الرائدة في اليسار الإسباني.
بابلو اغليسياس، زعيم حزب بوديموس، نادرا ما يفوت فرصة تذكير الاشتراكيين بهذا السيناريو، موضحا أنه، على عكس سانشيز، لديه كل الأسباب للعب بقسوة في المفاوضات السياسية المعقدة في المرحلة المقبلة.
في اجتماع لقادة الحزب هذا الأسبوع، أوضح الزعيم الاشتراكي استراتيجيته بعبارات لا لبس فيها: الحزب الاشتراكي سيدعم تحت أي ظرف من الظروف إعادة انتخاب ماريانو راخوي، رئيس الوزراء وزعيم الحزب الشعبي. وإنه لن يسعى لتشكيل تحالف مع حزب بوديموس، ما دام منافسه اليساري المتطرف ملتزما باستفتاء حول الاستقلال في كتالونيا، المنطقة الإسبانية التي تميزت بالتوترات الانفصالية في السنوات الأخيرة.في الجوهر، سعيه للاحتفاظ بمركز السياسة الإسبانية لم يلق معارضة تذكر، لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان سيتم السماح له بمتابعة ذلك. سوزانا دياز، الرئيسة الاشتراكية لأقليم أندلوسيا وعدوة سانشيز اللدودة داخل الحزب، تريد من الحزب الاشتراكي أن يعقد مؤتمر الحزب في وقت مبكر من شباط (فبراير) المقبل. ومن شأن ذلك أن يعطيها فرصة لتحل محله كزعيمة ــ إما في خضم محادثات تشكيل حكومة ائتلافية أو ربما قبل أشهر قليلة من إجراء انتخابات مبكرة. بالنسبة لمعظم الغرباء، فإن الأمر يبدو وكأنه عملية عالية المخاطر مدفوعة إلى حد كبير بعداء شخصي. لا يوجد، على الأقل ظاهريا، خلافات أيديولوجية واضحة بين الزعيمين.
يقول بابلو سيمون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كارلوس الثالثة في مدريد: “كل من يجلس الآن مع بيدرو سانشيز يعلم أنه قد يطرد في اليوم التالي. هذا ما يجعله وحزبه ضعيفين جدا”. وحتى لو انتصر في مواجهة خصومه الداخليين، قد يكون الضرر قد تم بالفعل. ويضيف البروفيسور سيمون: “تشير لنا كل استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين الإسبان يعاقبون الأحزاب المنقسمة. إذا عقدوا مؤتمر الحزب المنقسم قبل فترة وجيزة من (إعادة) الانتخابات، فقد انتهى أمرهم”.
أورتيغا أكثر قتامة في تقييمه: “إن بدء نقاش حول الخلافة على رئاسة الحزب في هذه اللحظة يبدو مثل الانتحار بالنسبة لي”.

