المستقبل العراقي / متابعة
عبدالرحمن بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي هو مؤسس علم الاجتماع وواضع أصول فلسفة التأريخ وأحد أبرز العلماء الذين تفخر بهم الحضارة العربية الإسلامية، حيث توصل إلى نظريات في علم العمران البشري أو التاريخ الاجتماعي سبقت عصره كان قد دوّنها في كتابه “المقدمة” التي ظلت إلى اليوم مرجعا لعلماء الاجتماع في العالم. اعتكف ابن خلدون في مغارة تقع في مدينة فرندة بولاية تيارت في الجزائر ليؤلف مقدمته غير أن هذا المكان الذي شهد ولادة أعظم مؤلفات العرب، لا يقدم صورة تشي بقيمة من سكنه وما أنتج بين حيطانه رغم أنه معلم ثقافي جدير بأن يكون مزارا يستقطب العلماء من مختلف أصقاع العالم.
وقبل عشر سنوات أحيت الجزائر الذكرى الـ600 لوفاة العلامة عبدالرحمن بن خلدون، حيث أقامت وزارة الثقافة الجزائرية بهذه المناسبة العشرات من الملتقيات الفكرية والندوات الوطنية والدولية وذلك على مدار عام كامل بمدينة فرندة التابعة إداريا لولاية تيارت المعروفة قديما باسم تيهرت والتي تبعد 340 كيلومترا غرب العاصمة الجزائرية، حيث تقف مغارة عبدالرحمن بن خلدون حتى اليوم شاهدة على حدث تاريخي غيّر مجرى العلوم الإنسانية بميلاد كتاب “المقدمة” الذي ألّفه ابن خلدون بعد أربع سنوات من الاعتكاف داخل هذه المغارة (1375-1379)، وصار تأليف هذا الكتاب المرجع، بمثابة إعلان عن وضع أولى لبنات علم الاجتماع البشري. ويقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي “إنّ ابن خلدون قدّم للفكر البشري فلسفة للتاريخ تُعدُّ أعظم عمل لم يسبق أن أنجزه عقلٌ بشري، في أيّ زمان وأيّ مكان من قبل..”. وتؤكد العديد من المصادر التاريخية أنّ العلامة ابن خلدون اعتكف بهذه المغارة أربع سنوات لتأليف كتابه الهام “المقدمة” كمقدمة لمؤلفه الضخم “كتاب العبر”، وقد اعتبرت المقدمة لاحقا مؤلفا منفصلا ذا طابع موسوعي، إذ تناول فيه ابن خلدون جميع ميادين المعرفة من الشريعة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة والطب. غير أن قيمة ابن خلدون العلمية والفكرية وقيمة مقدمته العلمية والثقافية لم تشفع للموقع الذي شهد ولادتها ولم تشهد مغارة ابن خلدون إلى اليوم العناية والاهتمام اللذين تستحقهما لكونها ذات رمزية تاريخية تدل على ما بلغه العرب من تقدم في العلوم في ذلك العصر. وتتألف المغارة من مغارة رئيسية تتصل بها غرف صغيرة، ويذكر المؤرخون في كتبهم أن ابن خلدون اتّخذ منها مقاما له، ليس لجمالها ومنعتها وحسب، وإنما لكونها تطلُّ على سهل “التات” الذي كان ممرا رئيسيا لشتى قوافل العرب والبربر؛ وهو الأمر الذي مكّنه من التعرف على أخبار الناس والحكام، بما يتيح له دراسة الظواهر الاجتماعية للمغرب الإسلامي وإخضاعها للمراقبة. وبعد أن أنهى ابن خلدون كتابة “المقدمة” في السنة الرابعة من إقامته بالمغارة التي كانت تعرف باسم مغارة “بني سلامة”، وكان ذلك في منتصف عام 1377، عكف على تصحيح وتنقيح ما كتبه، ووجد نفسه أمام مشكلة المصادر والمراجع ونفاد الأوراق التي كان يكتب عليها، فقرّر أن ينهي عزلته ويشد الرحال إلى مسقط رأسه تونس حيث ولد وتعلم، ولكن المرض حال دون ذلك.ويرى المؤرخون أنه لولا العزلة التي أتاحتها مغارة “بني سلامة” لابن خلدون أثناء كتابته “المقدمة”، وانقطاعه الكامل عن الناس، ما كان ليكتب كتابا بتلك القيمة العلمية والفكرية، وبتلك الروعة، ولعل هذا ما يفسر التباين في الأسلوب بين “المقدمة” وكتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” الذي غلب عليه العرض والوصف والرواية.

