د. سعد العبيدي
كان أداء الجيش والقوات المشاركة في معركة الرمادي من الشرطة، وقوات مكافحة الارهاب جيداً وكانت قوات الحشد الشعبي والقوة الجوية وطيران الجيش مساندة بشكل جيد، وبذا كانت النتائج التي تحققت على الارض اكثر من جيدة، في معركة مدن تداخلت فيها الأشياء بشكل كبير، فالمدنيون موجودون في ساحة القتال، ويسعى العدو «داعش» الى استخدامهم كدروع بشرية لإفشال الهجوم أو تأخيره على أقل تقدير. وبالمقابل تحاول القوات الوطنية المهاجمة اخلاء هؤلاء المدنيين من طرق رسمتها آمنة، فتضطر الى المناورة بالهجوم وتأخير بعض الخطوات أو حتى الغائها تحت بند الضرورة، والعدو يفخخ ويدمر كل شيء من بيوت ومساجد ومدارس وبنى تحتية.
إن قوات الدولة، تضع في الحسبان في هجومها وقصفها ضرورة ابقاء ما يمكن ابقاؤه، لأن الموجود ملك للمواطن والدولة والشعب، وتدميره سيزيد من كلفة حرب يفترض ضغطها الى الأقل جهد الامكان، لذا قد تضطر الى تقليل القصف والاستعانة عنه بوسائل أخرى تؤخر العمليات أحيانا. وهذا ما جعل معركة الرمادي تمتاز بالصعوبة وبالبطء، لكنها وفي نهاية المطاف حققت الغاية المتوخاة، وهي تحرير المدينة من عصابات تسللت اليها واستباحتها لفترة زمنية ليست قصيرة.
وعندما انتهت معركة الرمادي بهذه الدافعية والنصر، ومهدت الى معارك أخرى جانبية لتطهير القرى والنواحي والمناطق المتاخمة لها بنفس طريقة الأداء المتميز والمعنويات العالية، فان أعباء ستقع على مؤسسات الدولة في اعادة الحياة الى طبيعتها، ويقع على السكان المحليين داخل مدينة الرمادي وخارجها أعباء أكبر في المشاركة ببناء مدنهم وحراستها، واعادة النظر في حسابات كانت خاطئة، ربما أوقعهم فيها السياسيون المحليون، وعليهم تنقية النفوس، وتفريغ كم العتب غير المبرر على المركز، وعدم تصديق تجار السياسة الذين فتحوا بنعيقهم أبواب الأسوار النفسية للمدينة، وساعدوا في تسلل داعش الى داخلها.
ان تجربة العيش تحت احتلال الغل والغدر والتحريم المطلق للأشياء، والعودة بالحياة الى أيام الجاهلية مسألة لا يمكن تصورها في عصر بدت فيه الأشياء تتطور وتتغير كل يوم، وبدت فيه المفاهيم عن الحياة والكون والعلاقات تتغير هي الأخرى كل يوم، واستنادا الى هذا يمكن القول أنها تجربة مرة تتعلم منها الشعوب كيفية العيش من جديد، وكيفية العودة الى الوضع الآمن المستقر، والانطلاق الى عالم جديد فيه الثقة بالغير والاطمئنان اليه هي الأساس في حياة للجزء ضمن الكل الكبير، خاصة وان العراق منذ تأسيسه مكون من أجزاء، بينها قواسم ومشتركات، يمكن التأسيس عليها في صياغة حكم وسبل عيش تجمع ولا تفرق، تقوي ولا تضعف. من هذه وأمور أخرى ستكون مرحلة ما بعد معركة الرمادي تجربة جديدة ليس لأهل الرمادي الذين عانوا كثيرا في طريق تعلم الدروس، بل ولباقي العراقيين الذين لا بد أن يتعلموا هم أيضا الدروس، ويحاولوا مساعدة الغير في أن يثقوا بهم، ويبادر الأقوى في طمأنة الأضعف، ويتنازل من في الغالبية الى الأقلية، لكي تبحر السفينة بأمان.

