المستقبل العراقي/متابعة
“قارب اسبت” أو “قطار الصحراء” اسمان يطلقهما سكان القرى الواقعة بين مدينتي “ازويرات” و”نواذيبو” في الشمال الموريتاني على القطار الذي ينقل خام الحديد، حيث بدأوا يشاهدونه منذ ستينات القرن الماضي ولا يزالون حتى اليوم وهو ينساب على نفس الطريق دون كلل أو ملل.
ويشكل القطار الذي يعتبر الأطول والأثقل والأبطأ في العالم عصب الحياة ليس فقط بالنسبة للقرى والتجمعات التي يمر بالقرب منها، بل أيضا بالنسبة لمدينة ازويرات التي لا تربطها ببقية المدن طرق معبدة بسبب صعوبة التضاريس وانتشار الألغام والقنابل في المنطقة وتأثير عهود من الفساد وسوء التسيير. ويقطع القطار أو “باخرة الصحراء” كما يسميه الموريتانيون مسافة 700 كلم في 15 ساعة، وكانت أول رحلة له سنة 1963، حين كانت شركة المعادن مملوكة للاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال قام الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه بتأميمها سنة 1973. وينطلق في رحلته الطويلة والشاقة ليطوي مسافات شاسعة ويخترق الصحراء كاسرا صمتها، ويزداد ضجيج محركاته حين يمر قرب الجبال المحيطة بالمنطقة والتي ترجع صدى صوت المحركات منهية فترة من الصمت والسكون التي تخيم على المنطقة القاحلة، ومنبهة المسافرين والمنتظرين في المحطات بقرب وصول القطار. ويسافر في العربات الأمامية الموظفون والعائلات، وتؤمن هذه العربات رحلة مريحة للمسافرين، حيث يحتوي بعضها على أسرة للنوم وعمال يشرفون على خدمة الركاب ويوزعون الشاي وبعض المأكولات الخفيفة، ويبلغ ثمن التذكرة نحو عشرين دولارا للسفرة. وعلى متن قارب اسبت، يمكن رصد مختلف جوانب حياة سكان الشمال وتحسس همومهم وتطلعاتهم، ففي كل رحلة من رحلاته هناك خليط من الركاب من طلبة المعاهد العلمية وصغار التجار وسكان المنطقة وعمال شركة معادن موريتانيا التي تملك القطار وأفراد أسرهم ومهاجرين أفارقة يفضلون السفر على متن القطار مع الرعاة والمواشي، خوفا من اعتقالهم وترحيلهم قبل أن يحققوا حلمهم بالهجرة نحو أوروبا انطلاقا من ميناء نواذيبو الذي يؤمن لهم القطار الوصول له، ثم عبور المحيط الأطلسي في زوارق خشبية نحو جزر الخالدات بأسبانيا. ويتعاطف المسؤولون الحكوميون مع الركاب، إذ يسمحون لهم بنقل ما يعتبر “أشياء ممنوعة وتجاوزات” في قطارات أخرى. القطار يسقي الربوع الصحراوية شديدة الجفاف بواسطة صهاريج تجرها القاطرات جنبا إلى جنب مع عربات نقل الحديد ويستغل رعاة الماشية تسامح المسؤولين لنقل أعداد كبيرة من الماشية على متنه وفوق خامات الحديد، ويقول عبدالرحمن ولد بوه، تاجر مواش، إنه يركب مع ماشيته فوق خامات الحديد، ويبقى منتبها لها حتى لا تسقط. ويضيف “أغلب الركاب يفضلون الركوب فوق خامات الحديد، لأنهم لا يملكون ثمن التذكرة، ويتنقلون باستمرار في المنطقة بين القرى والتجمعات الصغرى أو يسافرون إلى ميناء نواذيبو، لذلك فهم يفضلون السفر مجانا. أما رعاة وتجار الماشية، فلا يمكنهم اختيار عربات الركاب العادية، لأن حيواناتهم ستصبح في خطر وهي داخل القطار دون مراقبة. ويذكر أن السفر فوق خامات الحديد خطير بسبب تمايل القطار، إضافة إلى تأثير أكوام الأتربة الحمراء ورياح الصحراء على الجهاز التنفسي، لكن الحاجة للتنقل بالماشية بين الأسواق والمراعي تدفع الرعاة إلى تحمل هذه الصعاب.

