Pdf copy 1

سايمون كوبر
الطيّار غادر قمرة القيادة في الساعة الـ10:30 صباحاً، ربما للذهاب إلى الحمام. ثم حجزه مُساعد الطيار، أندرياس لوبيتز، خارجاً وحدّد مقياس الارتفاع بـ100 قدم؛ أدنى مستوى ممكن له. لمدة عشر دقائق، قاد لوبيتز الطائرة وحده، في حين أن أفراد الطاقم كانوا يطرقون بجنون على باب قمرة القيادة. أخيراً اصطدم بمنحدر جبلي في فرنسا، ليؤدي إلى قتل جميع الركاب البالغ عددهم 150 على رحلة «جيرمان وينجز» رقم 4U9525 من برشلونة إلى دوسلدورف. نحن نعرف الآن أن لوبيتز كان أجرى عمليات بحث على الإنترنت عن وسائل الانتحار، وتأمين أبواب قمرة القيادة. وكانت لوفتهانزا، الشركة الأم لـ»جيرمان وينجز»، قد رفضت تجديد الشهادة الطبية للوبيتز مرتين بسبب حالة اكتئاب كان يُعانيها.
على الرغم من أن البشر دائماً ما يقتلون البشر، إلا أن قصة أندرياس لوبيتز كابوس حديث بشكل غريب. الذكرى الأولى لسقوط «جيرمان وينجز»، في 24 آذار (مارس)، تُذكّرنا بأن الخوف الأكبر للغربيين الآن هو العامل البشري: 
القتل والحرب، كل شيء من لوبيتز إلى «داعش» إلى ترامب. هذا ليس لأن البشر هم أكثر فتكاً مما كانوا، وإنما لأن الأسباب الأبدية الأخرى للموت المُبكر – الأمراض والحوادث – أصبحت أقل فتكاً.
التاريخ العائلي لأي شخص تقريباً مليء بالأمراض المُعدية والحوادث والعنف. في أوائل العقد الأول من القرن العشرين، خسر أجدادي طفلين بسبب الحمى القرمزية في مانشستر. وأحد أجدادي الآخرين قُتل في حادث قطار، وتوفيت إحدى عماتي بعد الاختناق بشوكة سمكة. وقُتل جدّي في منزله في جوهانسبيرج عام 1963.
النوع الوحيد من أنواع الموت هذه الذي لا يزال يحدث بتكرار في العالم المُتقدّم اليوم هو القتل. البلدان الغنية قضت تقريباً على الأمراض المُعدية، وجعلت الموت العرضي نادراً. كتب صاحب مشاريع التكنولوجيا البريطاني، ستيف كوست، في مدونة نشرها عن لوبيتز: «لقد كان الأمر أن الطائرات تتحطم في السماء بسبب شقوق صغيرة في إطارات النوافذ. وبالتالي أصلحنا ذلك. وكان الأمر أن الطائرة تتحطم بسبب فتح الأبواب إلى الخارج. وبالتالي أصلحنا ذلك. وكانت الطائرة تسقط من السماء بسبب تآكل المعدن من البول، وبالتالي أصلحنا ذلك عن طريق وضع مراحيض بلاستيكية مُغلقة. القائمة تطول وتطول».
الآن البلدان الغنية تعالج حتى السرطان وأمراض القلب. وفقاً لجميعة السرطان الأمريكية، الوفيات من السرطان في الولايات المتحدة وصلت إلى ذروتها، بمعدل 215.1 لكل 100 ألف، في عام 1991 قبل الانخفاض إلى 166.4 في عام 2012. هذا كان قبل الأدوية المناعية الجديدة التي تُعتبر الإنجاز الأكثر إثارة ضد السرطان منذ عقود. صحيح أن معظم الغربيين ما زالوا يموتون من مرض السرطان أو أمراض القلب، لكن الآن عادة ما يكون ذلك بعد سن 70 عاماً.
بالتالي، في الوقت الذي استطاعت فيه البلدان الغنية ترويض موضوع الأمراض والحوادث، ماذا بقي لنقلق بشأنه؟ جواب كوست: «الأحداث الغريبة» أو، بعبارة أخرى، العامل البشري. أفضل مثال على هذا التغير: في عام 2014، للمرة الأولى منذ 60 عاماً، قتلت الأسلحة من الأمريكيين بقدر ما فعلت السيارات.
حتى البشر يصبحون أقل فتكاً. معدلات جرائم القتل في أوروبا هي الأدنى تقريباً في التاريخ المُسجّل. بحسب معهد أبحاث السلام في أوسلو، عدد الناس الذين قُتلوا في نزاع مُسلّح عام 2014 تجاوز 100 ألف للمرة الأولى منذ 25 عاماً، لكنه لا يزال «أقل بكثير من مستويات الحرب الباردة» (ناهيك عما كان قبل ذلك الوقت).
لكن اليوم كثير من عمليات القتل تلك تحدث على أعتاب أوروبا، ويتم إعلانها لنا على الفور. (في المقابل، المحرقة، ومجاعة البنغال، ومجاعة الأوكرانيين، والقفزة الكبرى إلى الأمام في الصين، جميعها حدثت بعيداً عن الكاميرا ـ تقريباً في السر). يُمكننا الآن مشاهدة الناس يُقتلون في الوقت الحقيقي تقريباً على موقع يوتيوب، إلا أننا لا نرى عديدا من التقارير الإخبارية على شاشات التلفزيون عن الأدوية المناعية. فكرة أن تُقتل على يد أحد الأغبياء تُعتبر مزعجة، لاسيما في عصر يُمكنك أن تتوقع فيه بشكل معقول العيش إلى ما بعد سن 80 عاما. الآن رغبتنا في المخاطرة أقل مما كانت عندما كان الأطفال يموتون بشكل روتيني من الحصبة.
هناك سبب آخر لماذا يُعتبر العامل البشري بمثابة هاجس بالنسبة لنا. المخاوف تشبه المهام الموجودة على قائمة العمل: عندما ننتهي من واحدة، نركّز على ما تبقى. بريمو ليفي تعلّم هذا في أوشفيتز. لاحظ أنه بعد تحرير المخيم ولم يعُد السجناء مضطرون للخوف من القتل، وجدوا مخاوف جديدة. يوضح قائلاً: «إذا كان السبب الأكثر إلحاحاً للقلق سينتهي، فإنك ستشعر بحيرة خطيرة للعثور على سبب آخر يكمُن تماماً في الماضي، بينما توجد في الواقع سلسلة كاملة من أسباب أخرى». اليوم، السبب الأكثر إلحاحاً للقلق بالنسبة لعديد من الغربيين هو العامل البشري.
عندما واجه أسلافنا الأمراض أو الحوادث كانوا يميلون إما لاختيار القبول المُحتمل، وإما الدعاء إلى الله. فلم يكُن هناك أي شيء آخر يمكنهم فعله. لكن العنف البشري يُلهم الغضب ويتطلب اتخاذ إجراء. نحن نشعر أنه إذا كان باستطاعة الأطباء علاج سرطان الدم، عندها فإن الحكومة تستطيع بالتأكيد وقف مجموعة من الرجال من القيادة نحو باريس وإطلاق النار على 130 شخصا.
ربما لن يبقى العامل البشري ضمن أعلى قائمة المخاوف لفترة طويلة. بعد بضعة عقود من الآن، التهديد الكبير ربما يكون الروبوتات الخارجة عن السيطرة، لكن على الأرجح أنه سيكون التغير المناخي.

التعليقات معطلة