Pdf copy 1

د. محمد الجويلي
التحية تحيات، طقوس وعادات متعددة الألوان والأشكال واللغات، تختلف حسب اختلاف الثقافة والمجتمع، وهي سلوك ثقافي اجتماعي تواصلي ولغة صامتة وناطقة في نفس الوقت ومعبّرة تترجم مشاعر وسلوكيات تتعلق بالترحيب والتواصل. وتختلف عادات التحية باختلاف الثقافات.
عادة أهل اليابان مثلا عندما يحيون أحدا أن ينزعوا أحذيتهم من أرجلهم، بينما يرتمي الهندوسي على الأرض أمام من هم أرفع منزلة منه تحية لهم. ومن عادات بعض أهالي الهند أن يقبضوا بأيديهم على لحي بعضهم، ويقوم الناس في الموزمبيق بالتحية من خلال التصفيق بالأيدي ثلاث مرات قبل قول كلمة “مرحبا”.أما الأوروبيون فيرفعون القبعات عن رؤوسهم عند التحية. وفي بعض جزر المحيط الجنوبية يرمي الصديق صديقه بجرة مملوءة بالماء تحية له. وأغرب أنواع التحية عند بعض جزر الفلبين عندما يرفعون قدم من يحيونه إلى وجوههم ويمرغونها بها.
وأمّا التحية التي يعتبرها الآخرون سلوكا سيئا فهي عند قبائل التبت -في آسيا شمال جبال الهيمالايا- عبارة عن إخراج اللسان للضيف تعبيرا عن الترحيب به وهو تقليد يتبعونه منذ القرن التاسع في عهد الملك التبتي المعروف باسم “دراما لانغ” الذي كان له لسان أسود.
وللتحية أهمية كبيرة لدى العرب ترتبط بالسلم والسلام الذي يمثل أهمّ القيم الإنسانية، وهي رمز للتواصل المتبادل بين الناس، تدلّ على تواصل الحياة، وهو ما يبينه المعنى اللغوي للتحية المشتقة من الجذر (ح، ي، ي) الدالّ على الحياة ضد الموت كما ورد ذلك في لسان العرب وذكر ابن منظور أن السلام هو التحية، وحيّاه تحيّة: قال له حياك الله أي أطال عمرك – سلّم عليه، حياه الله: أبقاه، وأهلا وسهلا كلمة ترحيب تعني صادفت أهلا لا غرباء ووطئت سهلا لا وعرا – وسلم عليه قال له سلام عليك – واستلم الحجر مسحه بالكف (من السلمة أي الحجر) قبله واستلمت يده إذا مسحتها أو قبلتها. والسَّلامُ في الأَصل يعني السَّلامة، يقال: سَلِمَ يَسْلَمُ سَلامًا وسَلامةً ومنه قيل للجنة: دار السَّلام، لأَنها دارُ السلامَة الدائمة التي لا تنقَطع ولا تَفْنى، وهو نفس معنى التحية في قولنا حياك الله أي أبقاك وأطال في عمرك، كَمَا يُقَال: اللَّه مَعَك، وَاللَّه يَصْحَبك؛ وَقِيلَ: السَّلَام بِمَعْنَى السَّلَامَة، أَيْ السَّلَامَة مُلَازِمَة لَك.
فالتحية هنا تصبح معاهدة ووفاق بين المسلِّم والمسلَّم عليه، على السلامة والسلم، فَكأنّ الْمُسَلِّم أَعْلَم مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَالِم مِنْهُ وَأَنْ لَا خَوْف عَلَيْهِ مِنْه. وهو ما نجده في معنى أهلا وسهلا عند العرب الدالة على الترحيب وهي العبارة التي تلخّص سلوك القبائل العربية قديما وتختزل قيمة أصيلة وهي قيمة الكرم الذي يبدأ بالترحيب وهو ترحيب خاصّ يعكس البيئة التي نظمت حياة هؤلاء الناس وهي تمتدّ بين الأهل والغرباء وبين السهل والوعر، فمعنى أهلا وسهلا ليس مجرّد ترحيب وإنما هو سياسة القبيلة وموقفها ونظامها في التعامل مع الآخر فإن كان أهلا فيعني أنه ليس غريبا وليس عدوّا وبالتالي لا يرتاب منه ويرحب به داخلها ومعنى سهلا أنه وطئ أرضا سهلة وليست وعرة، بها يمكن له أن يطيب مقامه في أمن وسلام.
فالتحية ثقافية أو لا تكون تختلف باختلاف الشعوب وهي طقس متوارث عبر الأجيال قد تغزوه العولمة في المدن الكبرى ولكنه يظلّ محافظا على أصوله خاصة في الأرياف والبوادي. وهو ما يبين تواصل استعمال تعبير أهلا وسهلا الذي يختزن نية الترحيب والإكرام حتى وإن لم يكن محققا بالفعل ولكنه ظلّ مخزونا في الذاكرة العربية الجماعية وهو من رواسب الأصول العربية القديمة التي تغيرت مقاييسها بحكم تغيّر الظروف والعصر.

التعليقات معطلة