بغداد / المستقبل العراقي
بدأت مفاعيل الزلزال الذي أحدثته فضيحة «وثائق بنما» (11 مليون وثيقة مسرّبة) بالارتداد على من وردت أسماؤهم في التسريبات الأكبر في التاريخ.
ووسط اتّساع نطاق الفضيحة، تنصّلت شخصيّات «مستهدفة بشكل غير منصف» وردت أسماؤها في التسريبات، فيما تعهّدت سلسلة من الدول، من بينها أستراليا وفرنسا، بفتح تحقيقات في التهرّب الضريبي، عقب تسريب 11.5 مليون وثيقة سريّة. كما أعلن القضاء البنمي، فتح تحقيق في «الوقائع التي أوردتها وسائل إعلام وطنية ودولية تحت اسم أوراق بنما».
وقالت النيابة العامة البنميّة إنَّه سيتم التحقيق في وقائع التحقيق الصحافي الضخم الذي كشفه «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين»، وأوردته وسائل إعلام محلية ودولية تحت اسم «أوراق بنما». ويهدف التحقيق إلى تبيان ما إذا كانت هذه الوقائع تنطوي على «مخالفات قانونية وتحديد مرتكبي هذه المخالفات»، وما إذا كانت قد تسببت بأضرار ماليّة.
وحصلت صحيفة «سوددويتشه تسايتونغ» الألمانيّة على الغالبيّة العظمى من الوثائق التي سرّبها مصدر مجهول من مكتب «موساك فونسيكا» البنمي، وتقاسمها «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» مع أكثر من 100 وسيلة إعلاميّة نشرت أولى نتائجها الأحد الماضي بعد تحقيق استمر عاماً كاملاً.
وأولى ضحايا الفضيحة، كان رئيس وزراء ايسلندا ديفيد سيغموندور غونلوغسون، الذي استقال. وتعرّض غونلوغسون (41 عاماً) لضغوط ودعوات للاستقالة بعدما كشفت الوثائق أنّه وزوجته انا سيغرولوغ بالسدوتير امتلكا شركة «أوفشور» (خارج الأراضي) في جزر العذراء البريطانية، ووضعا ملايين الدولارات فيها.
ولم يصدر ردّ فعل رسمي من بكين على المزاعم بأنَّ ثمانية من الأعضاء السابقين للحزب الحاكم أخفوا ثرواتهم في ملاذات ضريبية «أوفشور»، بالإضافة إلى أقارب الرئيس الصيني.
من جهته، أشار الكرملين إلى مؤامرة أميركيّة بعدما تحدّثت التسريبات عن تورّط صديق مقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإدارة امبراطورية «اوفشور» تزيد قيمتها على ملياري دولار.
ومن بين الاتهامات التي كشفت عنها الوثائق، التي أوردت أسماء نحو 140 شخصيّة سياسية، من بينها 12 رؤساء دول حاليين أو سابقين:
– شركة كورية شمالية وهميّة استخدمت للمساعدة في تمويل برنامج البلاد للأسلحة النووية، وهي شركة «دي.سي.بي فاينانس» مقرها بيونغ يانغ. وكانت الشركة من بين عملاء مكتب المحاماة البنمي، وفقاً لـ «بي بي سي» والـ «غارديان». – أدار والد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون صندوق «أوفشور» لم يدفع ضرائب في بريطانيا طوال 30 عاماً. وأكد مكتب رئيس الوزراء أنَّ هذه «مسألة خاصة».
وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية أنَّ تحقيقاتها كشفت عن أن مصرف «اتش اس بي سي» البريطاني العملاق أنشأ 2300 شركة «اوفشور» عبر مكتب «موساك فونسيكا»، بينما أسّس مصرف «كريدي سويس» 1105 شركات، ومصرف «يو بي اس» السويسري 1100 شركة، و«سوسييته جنرال» 979 شركة.
وأوردت الوثائق ان من بين 214 ألف كيان «أوفشور» أنشئت على مدى نحو 40 عاماً، أسماء الرئيس الأوكراني والملك السعودي. ونفى رئيس أوكرانيا بيوتر بوروشينكو المزاعم، إلَّا أنّه قد يواجه مساعي لعزله.
بدوره، كشف الخبير الاقتصادي الألماني أرنست وولف أن «وثائق بنما جزء من استراتيجية أميركية لاستقطاب تريليونات الدولارات». وشرح وولف، في حديث لوكالة «سبوتنيك» الروسية أن «مناطق الأوفشور لن تختفي كظاهرة، إنما ستجري عملية إعادة توجيه للتدفّقات المالية»، مضيفاً أن تريليونات الدولارات ستتوجّه إلى الولايات المتحدة التي تسعى حالياً للتحوّل إلى ملاذ ضريبي كبير جديد.
و»أوفشور» هي المصارف الواقعة خارج بلد إقامة المُودع، وتكون غالباً في بلدان ذات ضرائب منخفضة أو مؤسسات مالية لا تخضع للرقابة الدولية، وتتميز هذه المصارف بمزايا تتضمّن مزيداً من الخصوصية، وضرائب منخفضة أو معدومة (أي الملاذات الضريبية) وسهولة الوصول إلى الودائع، والحماية من عدم الاستقرار السياسي أو المالي.
وأضاف الخبير الالماني أن «فضيحة بنما لم تمس أي شركة أميركية، ولذلك فقد تكون جزءاً من استراتيجية أميركية»، مذكّراً أن واشنطن تمكّنت قبل ذلك من تقويض مبدأ سرية الودائع في سويسرا، التي باتت اليوم ملزمة بأن تُقدّم إلى السلطات الأميركية كل ما تطلبه من معطيات عن المواطنين الأميركيين، والأمر نفسه، نُفذ مع دول أخرى.
وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن بعض الولايات الأميركية تُطبّق السرية المصرفية بشكل مطلق، حيث توجد «ملاذات ضريبية مطلقة» في ولايات نيفادا وداكوتا الجنوبية وأيومنغ وديلاوير.
وأكد وولف أنه بعد فضيحة «وثائق بنما» سيقوم أفراد وشركات بنقل أموالهم إلى الولايات الأميركية المذكورة أعلاه، حيث يدور الحديث عن مبالغ تتراوح بين 30 و40 ترليون دولار.

