Pdf copy 1

المستقبل العراقي/متابعة
الخوف والجهل هما أهم سببين كي يلجأ الشخص إلى الدجالين والمشعوذين بحثا عن علاج لمرض أو تحقيقا لأمنية أو إعادة لعلاقة ما أو حاجة أخرى من تلك الحاجيات التي يمر بها أي مواطن كل يوم. وقد أجمع الباحثون في علم الاجتماع والأطباء النفسانيون والمؤرخون والعديد من المثقفين أن اللجوء إلى تلك الحلول “السحرية” أمر لا يستقيم عقليا ودينيا، بل إن الخوف من عدم إيجاد الحلول والجهل بالطب والعلم يعدان الدافعين الرئيسيين إلى الانسياق وراء الخرافة.
وقدأكدت العديد من الدراسات في الوطن العربي أن نسب الإقبال على مراكز الدجل والمداواة بأدوات ومعارف غير طبية تعد نسبا عالية ومخيفة أحيانا لأن الأرقام التي تضبط هذه الظاهرة وتفسرها تعد أرقاما مهولة. فقد أظهرت دراسة أكاديمية، أعدها أستاذ الثقافة الإسلامية بالجامعات العربية والسودانية الدكتور إسماعيل محمد الحكيم، وهي بعنوان “الإسلام ومحاربة الدجل والشعوذة”، أن العالم العربي ينفق سنويا أكثر من خمسة مليارات دولار على أعمال الدجل والشعوذة، وأن الإحصائيات أشارت إلى أن نحو 70 بالمئة من المترددين على الدجالين المشعوذين من النساء.
هذه الظاهرة تعيد طرح إشكالية التخلف في الوطن العربي من زاوية نظر دينية واجتماعية، وهي بالأساس تعالج رؤية الإنسان العربي إلى الدين على أنه يحيط بكل جوانب الإنسان الحياتية، فردية وعامة، وهذا الأمر صحيح إلى حدود التماسّ بين الحاجة الإنسانية الطبيعية إلى المعتقد الديني والإيمان والتعبد وبين الخرافة والدجل والشعوذة والتخلف.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن السواد الأعظم من الشعب العربي اليوم ورغم التطور الإنساني الحاصل في ميادين الطب والكيمياء والعلوم، لا يزال يؤمن بأن تحقيق الرغبات يتم عبر وساطات “ربانية” تتكفل بتلبية رغبة الناس، الأمر الذي ينجر عنه انتشار المشعوذين والتداوي بالدجل والتحايل وسرقة أموال الناس بطلاسم غير مفهومة.
وتؤكد الأرقام، أن المجتمع التونسي مثلا وبالرغم مما حصل في نصف القرن الماضي من تطور في ميادين التعليم والطب وتحرير المرأة والقوانين وغيرها، فإن عدد المشعوذين والدجالين يفوق عدد الأطباء في البلاد. إذ تبين الأرقام أن المشعوذين في تونس وصل عددهم إلى 145 ألف مشعوذ حسب الباحث في علم الاجتماع التونسي زهير العزعوزي، مقابل عدد الأطباء الذي لا يتجاوز الـ80 ألفا.
وقد شهدت تونس في الفترة الأخيرة جدلا كبيرا حول عراف يدعى كمال المغربي وهو مشعوذ يزعم أنه قادر على مداواة الناس وتحقيق رغباتهم بمجرد شربه لماء ساخن ثم رشه على الحاضرين. وقد ظهر هذا العراف مؤخرا في برنامج تلفزيوني يدافع فيه عن وجهة نظره بالقول إن ما يقوم به ليس سوى “مداواة بالقرآن وتسخير للجن كي يحل المشاكل المتعلقة بحرفائه” مقابل أموال يدفعها حرفاؤه له.
وقد أكد الباحث التونسي طارق بالحاج أن عقلية اللجوء إلى الشعوذة ليست حكرا فقط على الأميين أو الفقراء بل إن نسبا عالية من المتعلمين وخريجي الجامعات وأصحاب الأعمال هم أيضا من رواد المشعوذين والدجالين. فمن تربى على فكر الخرافة من الصعب عليه أن يتخلص منه مهما بلغ من مستوى دراسي ومادي، والالتجاء إلى السحر مؤشر على الفقر النفسي والثقافي والحضاري أكثر منه مؤشرا على التهميش الاجتماعي والاقتصادي، والدليل على ذلك أن شخصيات عامة ومشاهير وأثرياء يقصدون باستمرار العرافين والدجالين.

التعليقات معطلة