Pdf copy 1

إنعام كجه جي 

نهار الأحد هذا الذي نحن فيه، بينما تمرّ عيون على هذه السطور، تكون هناك 3200 امرأة يتسابقن للفوز ببطولة ماراثون مدينة «بو»، أقصى الجنوب الغربي لفرنسا. إنه سباق للنساء فحسب. تتراوح أعمار المشاركات في دورته التاسعة الحالية بين 17 و70 عامًا. يقطعن 6 كيلومترات لبلوغ متعتين؛ الرياضة والعمل الإنساني. فلكل دورة هدف. وهدف راكضات اليوم جمع التبرعات للأبحاث الطبية حول مرض «كرون». نوع مُستعصٍ ونادر من التهاب الأمعاء المزمن، أخذ اسمه من الطبيب الأميركي الذي توصل إلى تحديد مواصفاته عام 1932، ولم يجدوا له علاجًا حتى اليوم. ومع هدف مثل هذا، لا يعود مهمًا أن تفوز جوسلين أو ناتالي أو مريم، بل حصيلة المبلغ الذي سيذهب لتمويل المختبرات. وحكاية البنات مع الركض لم تكن سهلة على طول الخط. وفي حين ابتهجت آلاف اللبنانيات، مثلاً، بالجري في سباق مخصص لهن في شوارع بيروت واستضافت دبي «ماراثون النساء»، فإن الصنعانيات يركضن هربًا من طلقة طائشة، والحلبيّات يتركن سيقانهن للريح في الأحلام. أما الغزاويّات فقد ألغت وكالة غوث اللاجئين سباق الماراثون، الذي كان مقررًا هناك، الربيع الماضي، بسبب رفض حكومة «حماس» مشاركة النساء فيه. لم يكن غريبًا أن تفوز مغربية في سباق بيروت. فمنذ أن تزينت نوال المتوكل بقلادة الذهب الأولمبي، عام 1984، بزغ الحلم في رؤوس البنات هناك وتحول الركض إلى رياضة وطنية. وقد صارت نوال وزيرة في المغرب ثم نائبة لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية واحتفلت هذا الأسبوع ببلوغها الرابعة والخمسين، لكنها كانت في أوائل العشرين يوم فازت بالميدالية الذهبية في أولمبياد لوس أنجليس. أول أفريقية وعربية تزين صدرها ميدالية من هذا النوع. اجتازت في 54 ثانية الحد الفاصل بين الإحباط العربي الرياضي وبين النصر. وهي حين ركضت مسافة 400 متر مزروعة بالموانع فإنها كانت تقطع، في الحقيقة، قرونًا من الإقصاء والجمود. ولم تكن الحواجز التي قفزت فوقها مجرد عوارض من خشب بل تسامت فوق جبال من الخوف والممنوع. لكن ذاك زمن ونعيش اليوم زمنًا آخر. وفي بلادنا جماهير مليونية من النساء تغني مع عبد الوهاب: «يا نوال فين عيونك اشتكي لك همّ قلبي وظلم حالي». في صالات السينما، حاليًا، فيلم وثائقي بعنوان «حرّة لتركض»، يروي حكاية كاثرين سويتزر، أول امرأة تجرأت على خوض ماراثون بوسطن، في الولايات المتحدة، عام 1967. إن حال الأميركيات، حتى سنوات قريبة نسبيًا، لم يكن بأفضل من غيرهن من الشعوب. ففي تلك السنوات كانت سباقات الجري ميدانًا للرجال. أما النساء فتنصّ تعليمات الاتحادات الرياضية على استبعادهن بسبب «الدهون والانفعالات التي تحرمهن من الجري لأكثر من 800 متر». وكان أحد مشاهير الأطباء الأميركان قد أعلن أن «الرياضة البدنية لدى النساء، حاملات الأجيال المقبلة، يمكن أن تهدد الجنس البشري». لكن كاثرين تحايلت على منظمي السباق وسجلت فيه مستخدمة الحرف الأول من اسمها ثم اللقب. ولما حان اليوم الموعود وضعت على صدرها الرقم 260 وارتدت سروالاً رياضيًا طويلاً ومشّطت شعرها إلى الخلف وغطت رأسها بقلنسوة ثوبها. اندست المرأة البيضاء بين المشاركين الرجال وركضت معهم. وبعد أن جرت مسافة 3 كيلومترات أزاحت الغطاء عن رأسها بسبب حرارة الجو. وصاح أحد الصحافيين: «هناك امرأة بين المتسابقين»! اقتحم أحد المنظمين صفوف الراكضين واشتبك مع المتسابقة «الدخيلة» وأمرها بالانسحاب. وسجّلت الكاميرات المشهد التاريخي لكاثرين سويتزر وهي تدفعه عنها وتكمل مسافة 42 كيلومترًا. وهو المشهد المُستعاد، كاملاً، في الفيلم الذي أخرجه السويسري بيير موراث. 

التعليقات معطلة