فيليب ستيفنز
لم يكُن هناك ما يُثير الدهشة في التحذير الصادر عن صندوق النقد الدولي بأن العواقب الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستهبط في مكان ما على طول الطيف الممتد من السيئ إلى السيئ جداً. ولا في الهستيريا المتعمَّدة لبوريس جونسون، مؤيد خروج بريطانيا المُحافظ، الذي اتّهم الاتحاد الأوروبي بمشاركة طموحات أدولف هتلر في الهيمنة.
الخطاب السياسي في الديمقراطيات المُتقدّمة أصبح مسابقة بين مؤسسة مُرهقة، مع كل عيوبها الظاهرة، تتمسك بإطار من الحقيقة، وأولئك الذين يُطلقون على أنفسهم مُتمردين يسعون إلى الاستفادة من القلق والغضب بين المواطنين المُحبطين. نقاش الاستفتاء في بريطانيا يُثبت أنه ليس استثناءً. كثير من التصريحات من جانب حملة المغادرة تُظهر أنها زائفة بصورة واضحة – ولا سيما زعمها الرئيسي بشأن حجم مدفوعات بريطانيا إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي. مؤيدو الخروج منيعون ضد الحقائق التي لا تناسبهم.
الحملة المؤيدة لأوروبا فازت بسهولة بحجة الحملة الاقتصادية. صندوق النقد الدولي لم يكُن سوى آخر مؤسسة من بين كثير من المؤسسات المستقلة، الوطنية والدولية، الذي يُصرّح بأن بريطانيا ستكون أكثر فقراً إذا انفصلت عن الاتحاد الأوروبي. خروج بريطانيا يُلحق الضرر بالاستثمارات والوظائف ومستويات المعيشة. الرد من جانب حملة الخروج كان ادّعاء بعض المؤامرات الدولية الواسعة لخداع الناخبين البريطانيين. حتى بحسب معايير تكتيكات دونالد ترامب في الانتخابات التمهيدية الرئاسية في الولايات المتحدة، هذه سخرية تحوّلت إلى أفكار مجنونة.
التقييمات المُحايدة لقدرة بريطانيا على تحقيق المصالح السياسية الدولية والأمنية الخاصة بها تُكرر الحُكم الناتج عن الحجة الاقتصادية. أوهام المناهضين لأوروبا أن «وضع البلدان المتحدثة بالإنجليزية» سيُعزز نفوذ بريطانيا بشكل أفضل تحطّمت من قِبل وجهات نظر الحلفاء.
أفضل الأصدقاء، من واشنطن إلى ويلينجتون، ومن أتاوا إلى كانبيرا ومن طوكيو إلى دلهي متفقون بالإجماع على أن علاقاتهم مرتبطة بمكانة بريطانيا في أوروبا. حلف الناتو، الضامن المُطلق للأمن البريطاني، يعتقد أن بريطانيا ستُجرّد نفسها من السلاح من خلال الخروج.
صحيح أن ترامب يعتقد أن بريطانيا ستكون على ما يرام خارج الاتحاد الأوروبي. لكن من ناحية أخرى، المرشح المُفترض للحزب الجمهوري يعتبر أيضاً أن بناء سور على طول الحدود الأمريكية – المكسيكية وحظر المسلمين من دخول الولايات المتحدة هو فكرة جيدة. ويُمكن أن يدّعي مؤيدو حملة الخروج أيضاً أنهم يتمتعون بدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القوي، وإن كان غير مُعلن، لكن بشكل غريب بما فيه الكفاية، كانوا مترددين في طلب مساعدة الكرملين.
يغلب على ظني أن مسار الحملة لم يُفاجئ مؤيدي الخروج. وضع حجة اقتصادية قوية لخروج بريطانيا دائماً ما كان أمراً مستحيلاً، في حين إن فكرة أن بريطانيا ستكون لاعبا عالميا أكبر إذا فصلت نفسها عن قارتها هي فكرة خيالية حتى بالنسبة إلى المؤمنين بالخرافات. الفوز بالحجج السياسية لم يكُن قط جزءاً من خطة اللعبة. الهدف دائماً ما كان الاستفادة من المخاوف التي لا تُعد ولا تُحصى وشكاوى الناخبين – بشأن الهجرة والدخل الراكد وساسية التقشف وما إلى ذلك – للثورة ضد بروكسل.
حملة الخروج تنشر الانقسامات السياسية. جونسون الذي طموحه الأساسي هو أن يحلّ محلّ ديفيد كاميرون رئيسا للوزراء من حزب المحافظين، تعاون على اليمين مع نايجل فرج، زعيم حزب الاستقلال البريطاني، ومع جورج جالاوي، الذي يرأس حزب الاحترام اليساري المُتشدد.
وراء تقليد جونسون لترامب، جانب حزب المحافظين من الحملة يُمكن أن يوصف تقريباً بأنه الحنين إلى القومية الإنجليزية. من حيث جاذبيته للناخبين من الطبقة العاملة البيضاء، حزب الاستقلال البريطاني المناهض للهجرة يرقص على طول الخط الذي يربط بين القومية وكراهية الأجانب – وغالباً ما يتجاوزه. جالاوي يستشيط غضباً ضد الشركات الكبيرة. كذلك يفعل جونسون الذي يزعم أن كاميرون أبرم صفقات قذرة مع رؤساء الشركات لضمان دعمهم.
ما هو مفقود من حجة حملة المغادرة هو وصف لما يعني «الخروج» بالنسبة إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية. هذا جزئياً لأن مؤيدي الخروج أنفسهم منقسمون وجزئياً لأنهم لا يريدون الانجرار إلى المناقشات التي من شأنها كشف عدم توافر بدائل مناسبة. وحين يتعرضون للضغط لتقديم إجابات، يتخذون الموقف الذي يتخذه الأطفال على مر العصور حين يلعبون – الأيدي تُغطي الأذنين كما لو أنهم يقولون علناً «لا أستطيع سماعك».
راهن مؤيدو خروج بريطانيا بكل شيء على انتصار العاطفة على العقل. الاستعارة التي تصور بريطانيا على أنها أمّة يجتاحها المهاجرون وفي قبضة النخبة الفاسدة ورؤساء الشركات الأثرياء ستكون مألوفة لأي شخص تابع تقدّم ترامب.
يقول المرشح الجمهوري «إن انعزاليته المشاكسة ستجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». كما وعد مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوروبي «باستعادة السيطرة». لكن إغلاق الباب في وجه العالم، ليس بالضبط بيان عمل. قبل كل شيء، هؤلاء الشعبويون هم «ضد» الأشياء – ضد الانفتاح، والعولمة، والهجرة، والتغيير. ويزدهرون على الغضب.
هذا يدّل على الاختلاف الجوهري بين الحملة المؤيدة للبقاء والحملة المؤيدة للمغادرة. المؤيدون لأوروبا ليست لديهم أوهام حول أوجه القصور في الاتحاد الأوروبي، لكن يرون أنه أفضل وسيلة متاحة لبريطانيا لحماية أمنها وازدهارها في عصر لم تعُد فيه القوة العالمية تنتمي إلى الغرب. بينما يدّعي مؤيدو الخروج أن كل شيء سيكون على ما يرام فقط لو أن بريطانيا تستطيع اتخاذ قراراتها بنفسها.
المفارقة هي أن بريطانيا تتخذ بالتأكيد قراراتها بنفسها. لننظر إلى العقود الماضية لنرى أن كل خيار ذي أهمية – بشأن حجم الدولة، وهيكلة الاقتصاد، والضريبة، والرعاية الاجتماعية، أو الحرب والسلام – كان يتّخذه الوزراء وأعضاء البرلمان. لكن في هذه المرحلة، يمد مؤيدو حملة المغادرة أيديهم ليغطوا بها آذانهم.

