Pdf copy 1

         بغداد / المستقبل العراقي
لا حرمة الصوم، ولا لحظة الإفطار، منعتا التفجير الذي استهدف «بنك لبنان والمهجر» في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، مساء الأحد، متسبباً بأضرار كبيرة في المبنى الزجاجي، غداة التحذير الذي وجهته بعض السفارات الأجنبية إلى رعاياها بتجنب زيارة بيروت.
وإذا كانت العناية الإلهية قد حالت دون سقوط ضحايا (جريحان أصيبا بجروح طفيفة)، إلا أن الرسائل التي انطوى عليها التفجير بدت هي الأخطر، من حيث استهدافاتها ومراميها التي هزت لبنان، بمصارفه وصيفه وأمنه ونسيجه الداخلي الهش، في هذا التوقيت الذي فتح شهية الكثيرين على التأويلات والاجتهادات، الملتبسة حينا، والمسمومة حينا آخر.
ليس هناك أسهل من الافتراض الفوري، كما فعل البعض، بأن «حزب الله» يقف وراء التفجير بهدف تحذير المصارف من الغلو في تطبيق قانون العقوبات المالية الأميركية بحقه. إنه التفسير الأبسط الذي يستجيب لنداء الغرائز الكامنة أو المواقف المسبقة، من دون بذل أي جهد للتدقيق أكثر في أبعاد هذا الاعتداء المشبوه.
بيد أن الواقع يقول العكس، فالدول الخليجية صاحبة المصلحة الأكبر في هذا التفجير.
والقليل من التمعن في ما حصل، يقود إلى الاستنتاج الأقرب إلى المنطق، وهو أن من فجّر المصرف، المعروف بأنه الأكثر تشددا في تطبيق العقوبات، إنما أراد بالدرجة الأولى الاستثمار في الخلاف بين المصارف و «حزب الله»، لتوسيع الهوة بينهما، وللتحريض على الحزب وتوجيه أصابع الاتهام نحوه، مع ما سيجره ذلك من تداعيات داخلية، من شأنها أن تؤجج الاحتقان المذهبي والتوتر السياسي، وبالتالي تهيئة المسرح أمام عروض الفتنة، المتنقلة بين ساحات المنطقة، والتي نجح لبنان حتى الآن في تفاديها.
إن المخطط الخبيث يبدو مفضوحا وناطقا، إلى حد صارخ وصريح، وكأن من يقف خلفه افترض أن مناخ الانقسام الداخلي يسمح له بأن يلعب «على المكشوف»، مطمئنا إلى أن هناك من هو جاهز، بانفعالاته المتأججة أو بنياته السيئة، لتلقف الحدث وتوظيفه في الاتجاهات المفخخة.
وبالفعل، وقبل أن ينقشع دخان الانفجار، هرول البعض إلى «الفخ» المنصوب، عبر اتهام الحزب تصريحا أو تلميحا، من دون الاتعاظ من التجارب السابقة الحافلة بالدروس والعبر. سارع المصطادون في الماء العكر إلى ممارسة هوايتهم في الهواء الطلق، واستعجل ممتهنو تصفية الحسابات نفض الغبار عن دفاترهم، في حين ان أضعف الإيمان يستوجب انتظار انتهاء التحقيقات، حتى يبنى على الشيء مقتضاه.
ومن المفارقات، أن بعض الإعلام المحسوب على جهات خليجية لم يتردد في تحميل «حزب الله» مسؤولية تعريض القطاع المصرفي إلى الخطر، في حين أنه لم يمضِ وقت طويل بعد على تدابير موجعة اتخذتها السعودية، على سبيل المثال، من قبيل إقفال البنك الأهلي السعودي في لبنان وسحب ودائع مالية، الأمر الذي كان له التأثير السلبي المباشر على الوضع المصرفي في لبنان!
إن ما يكاد يكون واضحا، برغم الضجيج والغبار، هو أن المستهدَف من تفجير «بنك لبنان والمهجر» هما «حزب الله» والقطاع المصرفي على حد سواء، وأي تفسير آخر يخدم الجريمة ويساهم في تحقيق أهدافها، عن قصد أو غير قصد.
وحسنا فعل مدير البنك المستهدف سعد الأزهري في عدم استباق التحقيق، محاذرا توجيه اتهامات متسرعة، وداعيا إلى عدم الشروع في استنتاجات مسبقة، فيما بدا بعض السياسيين، في المقابل، ملكيين أكثر من الملك، بل مصرفيين أكثر من المصارف، مع الإشارة إلى أن جمعية المصارف ستعقد اليوم اجتماعا طارئا للبحث في التطور المستجد
وفي التفاصيل الأمنية للتفجير، تفقد المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص، المكان الذي وقع فيه الانفجار، موضحا أنه ناجم عن عبوة موضوعة في حوض زهور إلى جانب الجدار الملاصق لمبنى بنك لبنان والمهجر، وليس في داخل المبنى وتقدر زنتها بـ 15 كيلوغراما من المواد المتفجرة.
وأكد أن الاجهزة الأمنية مجتمعة، تعمل على كشف ملابسات الانفجار، وشدد على أن الجيش وقوى الأمن يتخذان إجراءات أمنية مشددة، لحماية كافة الأماكن السياحية والاقتصادية في كل المناطق اللبنانية. وأفاد بيان صادر عن مديرية التوجيه في قيادة الجيش أنه «وبتاريخه حوالى الساعة 20,00 انفجرت عبوة ناسفة في محلة فردان قرب أحد المصارف، على الفور تحركت دورية من الجيش إلى موقع الانفجار وعملت على عزله بالتعاون مع القوى الأمنية الأخرى وحضر الخبير العسكري للكشف وتحديد نوعية الانفجار وطبيعته». إلى ذلك، كلف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، إجراء التحقيقات والاستعانة بخبير متفجرات والأدلة الجنائية للكشف على مكان الانفجار في منطقة فردان وتحديد ملابسات الجريمة.

التعليقات معطلة