فاروق يوسف
لي أصدقاء لا عناوين ثابتة لهم، فهم لا يقيمون في المكان نفسه، مما لا يسمح بوصول رسالة إليهم، إنهم ينتقلون من مكان إلى آخر بخفة عصفور ترك فكرة بناء عش خاص به وراءه، لم تعد فكرة أن يكون للمرء عنوان خاص به تشغل جزءا من تفكيرهم، هناك بريد إلكتروني وهاتف نقال يتيحان لهم أن يكونوا موجودين في اللحظة التي يرغبون أن يحضروا فيها، إنهم أبناء اللحظة التي يختارونها، لا بيت يعودون إليه، لا عائلة تنتظرهم، لا أثاث يهتدون إليه مغمضي العيون، لا مطبخ يجدون في صحونه بقايا طعام البارحة.
كل يوم من أيامهم يمرّ ليطوي صفحته كما لو أنه لم يكن، لديهم ذكريات من نوع خاص، فهم ليسوا كائنات خيالية، إنهم يعيشون الحياة بعمق، لكنها حياة لا يشركون فيها أحدا.
كل شيء في حياتهم مؤقت، الناس والمدن والأفكار والصور والطبيعة، ما من شيء في إمكانه أن يقنعهم بالتوقف عن الرحيل، ربما لأنهم يبحثون عن شيء لم يجدوه بعد.
ولأني أعرفهم جيدا، يمكنني القول إنهم يبحثون براحة عن شيء لا وجود له، وهو ما يطمئنهم إلى أن سفرهم وهو ضالتهم سيستمر إلى ما لا نهاية.
أرى أحدهم وهو يحمل حقيبة فأعرف أن حياته تقيم في تلك الحقيبة، ما الذي يمكن أن يحدث لذلك الصديق لو أن حقيبته تلك قد فقدت طريقها إلى الطائرة التي يستقلها ولم تذهب معه؟
لا أتوقع أنه سيُجن أو يرتبك كما يقع لنا حين لا تصل حقائبنا معنا، وهي لا تحتوي إلاّ على ملابس يمكن أن نعوضها بملابس أخرى، نشتريها من أسواق المدن التي نحل فيها.
ضياع حقيبته التي تحمل حياته كلها لن يغير في شيء من فكرته عن العيش خفيفا، سيكون ذلك الفقدان مناسبة لاستبدال حقيبة بأخرى، وهي فرصة لاستبدال حياة بأخرى.
لي من الأصدقاء الرائعين صفوة مسافرة تقيم في حقائبها، كما لو كانت تلك الحقائب أوطانا.

