Pdf copy 1

          محمد عبد الجبار الشبوط
تعاني الدولة العراقية الراهنة من عيوب اساسية في التأسيس تمثل بعضها في تعاظم مفهوم السلطة على مفهوم الدولة ومفهوم المكون على مفهوم المواطن والدمج بين المسار الاداري والتنفيذي للدولة بالمسار السياسي والحزبي لها والخلط بين مفهوم الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التوافقية وعدم التوافق بين شرعية التمثيل وشرعية الانجاز مع تتويج كل ذلك بالمحاصصة التي هي أساس الفساد.
ولا تنفع الاجراءات الفوقية والترقيعية لمعالجة عيوب التاسيس؛ بل لابد من حل تأسيسي لها. ويتمثل هذا الحل بالعمل على تربية جيل وطني ديمقراطي مدني جديد. وهو الحل بعيد المدى الذي ينبغي ان يخصص له وقت طويل وجهود كبيرة.  المدى البعيد
 «المدى البعيد» يقاس بجيل واحد او دورة دراسية واحدة كحد أدنى. نتحدث هنا عن ١٢ سنة في الاقل ويمكن ان تزداد لتحقيق الهدف بعيد المدى. يمكن ان تراجع الفترة المفترضة بين فترة وأخرى وزيادتها ان تطلب الامر. اذا انطلق المشروع الاصلاحي مع بداية العام الدراسي في شهر أيلول المقبل (٢٠١٦-٢٠١٧) فيفترض ان تنتهي المرحلة بعيدة المدى مع اختتام العام الدراسي لعام (٢٠٢٧-٢٠٢٨). ستكون الانتخابات في عام ٢٠٣٠ اول انتخابات يخوضها الجيل الجديد الذي تم إعداده في ضوء المشروع الاصلاحي المفترض. 
الهدف على المستوى البعيد هو اقامة الدولة المدنية الحديثة سواء على اساس الدستور الحالي او على اساس دستور معدل. 
تقوم الدولة المدنية الحديثة على خمسة اسس هي:
١. المواطنة
٢. الديمقراطية
٣. المؤسسات
٤. القانون
٤. العلم الحديث.
مثل هذه الدولة سوف تحقق الحرية والعدالة والمساواة في المجتمع. كما انها سوف تحفظ حقوق الانسان سواء بمعناها العام او بمعنى الحقوق الثقافية للمكونات المجتمعية ذات الخصوصيات. كما انها سوف تكون قادرة على تحسين حياة الناس الروحية والثقافية والمادية وتحسين مستوى ونوعية الخدمات التي تقدمها الدولة للناس. وسوف تحافظ على علاقة سليمة وصحيحة بين الدين ومؤسساته المختلفة وبين الدولة. كما انها سوف تجعل من الصعب توفير فرص النشاط والعمل والكسب بالنسبة للمتشددين دينيا او طائفيا او عرقيا او سياسيا لانها بالضرورة والتعريف دولة اعتدال لا تطرف. 
من الضروري ان يحظى هذا الهدف البعيد بإجماع وطني عام ويكون عنصرا اساسيا في الثقافة العامة السائدة في المجتمع. يستطيع كل فرد او كل مكون او كل تكوين ان يتوصل الى قناعته الخاصة بالهدف البعيد بناء على معتقداته الخاصة التي توفر له مسوّغات القبول بهذا الهدف البعيد. لا يشترط هذا الهدف ان يغير الناس عقائدهم اي طرقهم الموصلة للقناعة به.
يتوقف النجاح في تحقيق الهدف البعيد من بين امور اخرى كثيرة على تغيير مناهج وزارة التربية بحيث يكون هدفها المركزي تخريج جيل مختلف من المواطنين الصالحين وليس مجرد حشو ذهن الطالب بمعلومات سرعان ما ينساها بعد خروجه من قاعة الامتحان. يمكن الاستفادة في هذا المجال من التجربة اليابانية ونظامها التعليمي فضلا عن التجارب الناجحة في الدول الديمقراطية الحديثة.
افترض ان اللجنة الخاصة سوف تضع المفردات المطلوبة للاصلاح وتوزيعها على الجدول الثلاثي القريب والمتوسط والبعيد المدى.  وافترض انه سوف تجري عملية تثقيف شعبية واسعة بهذا الجدول الاصلاحي الذي سوف يعين الجمهور على جدولة مطالباته ايضا.
١٢ سنة
يمثل مشروع الدورة الدراسية الكاملة (١٢ سنة) الخطوة العملية الجوهرية في طريق التغيير المفضي الى اصلاح العملية السياسية في العراق. العملية السياسية تمثل البناء الفوقي للمجتمع. ولا يمكن إصلاحها دون اصلاح قاعدتها التحتية المتمثلة بالمجتمع. والمجتمع عبارة عن منظومة علاقات يدخل فيها المواطنون بشكل متشعب ومتداخل. ولا يمكن اصلاح المجتمع دون الشروع بعملية تغيير واسعة وعميقة تشمل الفرد ومنظومة علاقاته وروابطه في نفس الوقت. والفرد يقضي معظم وقته في المدرسة فيها يتعلم ويتربى. واذا لابد ان تؤدي المدرسة دورها الأساسي في تغيير الفرد وتربيته ليكون مواطنا فعالا صالحا رافضا بحكم التربية للفساد والمفسدين. والمدرسة تابعة لوزارة التربية ومن هنا ياتي الدور المفصلي لوزارة التربية في انجاز التغيير الاجتماعي وتوفير القاعدة التحتية لمجتمع صالح يخلو من /او يقل فيه/ الفساد. 
ويتمحور المشروع في تربية طلاب المدارس اعتبارا من الصف الاول ابتدائي وانتهاء بالسادس ثانوي على فكرة المواطنة الصالحة الفعالة بكل ما تتضمنه من فروع وعناوين مثل التعايش والإخلاص وعدم هدر الوقت والحفاظ على ألمال العام ونبذ العنف والتسامح والتعاون والدور الايجابي للدين وغير ذلك من عشرات العناوين والمفردات. وتتكرر هذه المفردات في كل المراحل الدراسية مع اختلاف في طريقة الطرح تبعا لاختلاف الفئات العمرية للطلاب. ويرافق ذلك أنشطة مدرسية ومجتمعية خارج الصف وداخله تستهدف ايضا تعميق هذه المفردات في ذهن الطالب ووعيه وسلوكه وعلاقاته الخ.
سوف تكون محصلة هذا المشروع تخريج جيل جديد من المواطنين بعد ١٢ سنة اي بنهاية العام الدراسي المنتهي في صيف عام ٢٠٢٨ حيث ستكون الانتخابات العامة التي تحصل بعده هي الاولى بعد تخرج هذا الجيل. لكن هذا لا يعني ان هذه الدورة التربوية تبدأ هذا العام  (٢٠١٦-٢٠١٧) في السنة الاولى ابتدائي وتنتهي بعد ١٢ سنة في الصف السادس إعدادي. انما يجب ان تبدأ هذه الدورة في هذا العام (٢٠١٦-٢٠١٧) في كل المراحل الدراسية دفعة واحدة مع اختلاف مستوى الطرح بحسب المرحلة الدراسية. وعليه فليس لهذه الدورة التربوية نقطة شروع واحدة هي السنة الاولى ابتدائي انما يجب ان يكون لها ١٢ نقطة شروع تغطي كل سنوات او المراحل الدراسية. وفائدة هذا التعدد في نقاط الشروع انه سوف يجعل عملية التغيير الاجتماعي عملية تراكمية تضيف في كل سنة طبقة من التغيير حتى تكتمل ١٢ طبقة في السادس ثانوي للعام ٢٠٢٧-٢٠٢٨.
قد ترى وزارة التربية ان الوقت اصبح متأخرا للشروع بهذا البرنامج هذا العام. يمكن البدء به في النصف الثاني من هذه السنة. المهم الا يتآجل المشروع الى العام التالي. والمهم ان تتعاون وزارات الدولة وهيئاتها الاخرى في تنفيذ هذا المشروع اعني وزارة الشباب والرياضة ووزارة الثقافة وشبكة الاعلام العراقي.
وزارة التربية
تتحمل وزارة التربية العبء الاكبر في عملية الاصلاح المجتمعي التي تشكل قاعدة كل أشكال الاصلاح الاخرى وخاصة بما يتعلق بمحاربة الفساد. ويتعين على جهات اخرى في الدولة والمجتمع مساعدة وزارة التربية في هذا المشروع الستراتيجي وفي مقدمة هذه الجهات شبكة الاعلام ووزارة الثقافة ووزارة الشباب فضلا عن المؤسسة الدينية و منظمات المجتمع المدني.
والفكرة تتمحور حول السعي العلمي لإنتاج جيل جديد يفهم ويستوعب مبادئ وأسس الدولة المدنية الحديثة وما تكتنزه من مفاهيم وأفكار وقيم.
من الضروري ان تنطلق الفكرة في العام الدراسي الحالي الذي تفصلنا عن بدايته أسابيع معدودة بما يعني ان الوقت المتاح قليل و لا نتمنى ضياعه ما يحتم الإسراع باتخاذ الخطوات العملية لتنفيذ المشروع.
تتمثل الخطوة الاولى بإعداد مائدة مدرسية واحدة تدرس اعتبارا من العام المقبل في كل المراحل الدراسية منذ السنة الاولى ابتدائي الى الصف السادس ثانوي.من الطبيعي ان تكتب هذه المادة بمستويات مختلفة تتناسب مع المرحلة الدراسية التي سوف تدرس فيها.لكنها من حيث الجوهر والمضمون مادة واحدة. اما مضمونها فهو ما يتعين عليه ان يكون عليه المواطن الصالح الفعال. تستهدف المادة تربية الطالب على مبادئ وقيم الدولة المدنية الحديثة بما فيها المواطنة والديمقراطية واحترام القانون والتعاون والتعايش ونبذ الطائفية وغير ذلك. هذا فضلا عن الأبعاد والقيم الانسانية الحضارية التي جاءت بها الأديان وخاصة الاسلام والمسيحية. يمكن لوزير التربية ان يشكل لجنة بمهمة عاجلة لوضع مفردات هذه المادة وتكليف مختصين لتأليف الكتب المدرسية التي سوف تدرس للطلاب اعتبارا من العام المقبل في كل المراحل الدراسية ال١٢. سوف يستمر الطلاب بتلقي هذه المادة على ايدي مدرسين مربين بحق لمدة ١٢ سنة حتى يتخرج جيل جديد بالكامل وقد تربى على هذه الافكار والقيم.
التنشئة الديمقراطية
اذا كان الحل التأسيسي يتمثل «بتعزيز الديمقراطية والياتها وركائزها وقيمها»، فلا سبيل لذلك الأ بالتنشئة الديمقراطية التي تعني تربية النشئ الجديد على هذه القيم منذ نعومة الأظفار.  المواطن بحاجة الى التربية والتنشئة على حب الخير ورفض الفساد واحترام القانون ونبذ العنف  والمواطنة والانتخاب والتنافس الديمقراطي وقبول الاخر وغير ذلك من المبادئ الديمقراطية والإنسانية المدعومة من قبل الأديان  منذ سنوات نشأته الاولى. واذا كانت السنوات الست الاولى من نشأة المواطن تتم في البيت فان السنوات التالية (١٢ سنة) تتم في المدرسة. والمدرسة، التي هي من اهم مؤسسات المجتمع، تقع تحت سلطة وزارة التربية. وهذا يحيل الامر الى هذه الوزارة المفصلية ذات الدور الاهم في المجتمع. ومازالت الوزارة صامتة ازاء مشروع ال ١٢ سنة الذي كررت طرحه في هذا المكان. على وزارة التربية ان تعلن رأيها بصراحة بمسألة تنشئة الجيل الجديد وموقفها من هذا المشروع الذي يتضمن النقاط التالية:
١. يستمر المشروع لمدة ١٢ سنة او ١٢ مرحلة دراسية اعتبارا من السنة الدراسية ٢٠١٦-٢٠١٧.
٢. ليس للمشروع نقطة شروع واحدة هي السنة الدراسية الاولى في المرحلة الابتدائية انما ينطلق في ان واحد من كل المراحل الدراسية ال١٢ ولمدة ١٢ سنة. 
٢. يمكن ان يبدأ المشروع لهذه السنة تحديدا بمادة تدريسية واحدة هي التنشئة الديمقراطية على ان يتم تكوير المادة سنويا مع تعاقب مراحل المشروع.
٣. ترافق مادة التنشئة الديمقراطية أنشطة وفعاليات صفية ولا صفية تعمق الافكار والمفاهيم النظرية التي تتضمنها المادة التدريسية.
٤. يفترض ان يكون مدرس المادة مربيا اكثر من كونه معلما فقط ومغيرا اجتماعيا اكثر من كونه ملقنا فقط. 
٥. المشروع وطني عام وشامل وعليه فيجب ان تتعاضد مؤسسات الدولة والمجتمع الاخرى من اجل إنجازه وخاصة وزارات الرياضة والشباب والثقافة، وشبكة الاعلام العراقي، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني.
واذا كان قادة الدولة والمجتمع صادقين في دعوتهم الى الاصلاح فما أجدر بهذه الدعوة ان تتوجه الى البنى التحتية للمجتمع والدولة اكثر من الاستغراق في الجانب السياسي منها.
مشروع تراكمي
يرتبط مشروع أعداد الجيل الجديد ضمن مشروع ال ١٢ سنة بمفهوم الخبرة التراكمية الذي اثبتت التجارب البشرية انه من شروط التقدم. يحتضن هذا المشروع الطفل العراقي منذ اللحظات الاولى لدخوله المدرسة في الصف الاول ابتدائي ويلازمه الى ان يتخرج من الصف السادس أعدادي بعد ١٢ سنة. 
وستتولى وزارة التربية المسؤولية الاكبر في هذا المشروع وعلى مدى ١٢ سنة. ولا نتوقع ان يتولى شخص واحد منصب وزير التربية لمدة ١٢ عاما متصلة. فالمتوقع ان يتغير الوزير كل اربع سنوات. وعليه فمن المتوقع ان يشهد المشروع ٣ وزراء للتربية. وهنا لابد من التذكير ان «التراكمية» هي من شروط نجاح هذا المشروع. بمعنى ان المشروع عبارة عن خط متصل من الاعمال التراكمية التي تتجمع فوق بعضها البعض على مدى ١٢ عاما وب ١٢ خطا متوازيا. وسوف يتغير خلال هذه المسيرة وزراء ووكلاء وزارة ومدراء عامون ومدراء مدارس ومدرسون. وعلى اللاحق منهم ان يكمل ما قام به السابق. على اللاحق منهم ان يبني فوق ما أنجزه السابق لا ان تلعن كل أمة جديدة الأمةَ التي سبقتها ويغير كل شخص جديد من الوزير الى اخر معلم او مدرس ما قام به الذين سبقوه. لن يبلغ البنيان يوما تمامه اذا سار القوم على قاعدة كلما جاءت أمة لعنت اختها. على الجميع ان يواصلوا العمل على نفس خط السير لكي تتراكم خبرتهم ويزيد علمهم وتتعمق عملية التغيير المجتمعي من خلال المدرسة وصولا الى اكتمال ولادة الجيل الجديد من المواطنين بعد ١٢ سنة من انطلاق المشروع. لا يمكن لشخص جديد على الموقع ان يثبت كفاءته وقدرته وحتى نزاهته من خلال الغاء ما أنجزه الشخص السابق. فهذا شخصنة للمشاريع والإنجازات وإلغاء لفكرة العمل المؤسسي وإعاقة لتقدم المجتمع ورقيه بل هو يعبر عن قصر النظر ومحدودية الأفق ومصالح ومواقف شخصية. إثبات الكفاءة والقدرة يتم من خلال استيعاب الطبيعة التراكمية للمشروع وفهم محتواه ومضمونه وأبعاده عن المواقف والمصالح الشخصية. تربية الجيل الجديد تتم وفق عمل تراكمي تبنى كل لبنة منه فوق اللبنة السابقة لا بان نهدم ما تم بناؤه في السنوات الدراسية السابقة والشروع بخطة بناء جديدة. لا يرتبط المشروع، كما هو الحال بالنسبة لكل المشاريع، بشخص الوزير او المسؤول، انما يرتبط بالفكرة الكلية للمشروع وبالخطة الحاكمة وبقوانين سير وتطور المجتمعات. ومن لا يتمكن من الإحاطة بالصورة الكلية ليس جديرا بتولي منصبه.

التعليقات معطلة